قال إسحاق : قلت لزهراء « 1 » : ما رأيت من نساء العرب أفصح منك ولا أبلغ ، يا زهراء ، ما خبر أمير المؤمنين ؟ قالت : جال بالناس جولة « 2 » وحطّ بهم حطّة « 3 » حرّكت السّاكن ، وأيقظت النائم ، وأخافت الآمن ، وأتت على نفس المريب . قلت : فما خبر ابن أبي داود « 4 » ؟ قالت : قعقع له « 5 » بالشّنان يمنة ويسرة ، حتّى لقد أحيط به . قلت : فما خبر ابن عبد الملك ؟ قالت : يسره أرضه بحج بطين بصهر إلى هذه الذخائر فيفطن لها ثم يتمم عليها « 6 » . قلت : فما خبر الناس ؟ قالت : تنتقض أنفاشهم فإذا فرغوا هدءوا .
قلت لها : فأين منزلك ؟ قالت : مالي منزل ، إنما أشتمل باللّيل إذا عسعس ، وأظهر في النهار إذا تنفّس . ثم اتّخذت منزلا . فقلت لها : كم بيننا وبين منزلك ؟ قالت : أمّا على كسلان وإن فساعة ، وأمّا على ذي حاجة فقريب .
كتب ابن السّمّاك « 7 » إلى عمرو بن بانة « 8 » : « إنّ الدهر قد كلح « 9 » فجرح ، وجمح فطمح ، وأفسد ما أصلح « 10 » ، فإن لم تعن عليه فضح » .
هامش
( 1 ) إسحاق : هو الموصلي ، وزهراء : امرأة من بنى كلاب كانت تحدثه وتناشده ، وكانت تميل إليه وتكنى عنه في شعرها « بجمل » ، ولها خبر معه في الأغانى ( ج 5 ص 76 و 77 ) .
( 2 ) في الأصل « حال بالناس حولة » وهو خطأ ، صححناه من ح .
( 3 ) كلمة « حطة » سقطت من ح .
( 4 ) في ح « ابن أبي داود » .
( 5 ) في ح « قعقع لنا »
( 6 ) كذا في الأصل ، وهو كلام غير واضح ولا مفهوم ، ولم نجده في كتاب آخر ، وفي ح « قالت : يسره أرضه بحج رطين يظهر » الخ ؛ وهو كما ترى !
( 7 ) ابن السماك ذكره الجاحظ في البيان والتبيين ( ج 1 ص 99 ) في البلغاء الذين كثر كلامهم . وكان في عصر الرشيد .
( 8 ) هو عمرو بن محمد بن سليمان بن راشد مولى ثقيف ، وكان أبوه صاحب ديوان ، ووجها من وجوه الكتاب ، ونسب إلى أمه « بانة القحطبية » وكان مغنيا محسنا ، وشاعرا صالح الشعر . قاله في الأغاني ( ج 14 ص 50 ) . وفي الأصلين « إلى أبى عمر بن بانة » وهو خطأ .
( 9 ) كلح : من الكلوح ، وهو تكثر في عبوس ، قاله في اللسان .
( 10 ) كذا في الأصل ؛ ولو كان « صلح » بدون الهمزة لكان أنسب للمعنى ، وأقرب لتجانس الكلمات . وقوله « ما أصلح » سقط من ح .