اعمل صوابا تنل بالحزم ماثرة « 1 » * فلن يذمّ مع التّقدير تدبير
فإن هلكت مصيبا أو ظفرت به * فأنت عند أولي الألباب معذور
وإن هلكت على جهل وفزت به * قالوا : جهول أعانته المقادير « 2 »
أنكد بدنيا ينال المخطئون بها * حظّ المصيبين والمغرور مغرور
دخل الخيار بن أوفى النّهديّ « 3 » - وكان كبير السنّ - إلى معاوية بن أبي سفيان ، فقال له : لقد غيّرك الدّهر ؟ قال : نعم ، يا أمير المؤمنين ، ضعضع قناتي ، وشيّب سوادي ، وأفنى لداتي « 4 » ، وجرّأ عليّ أعدائي ، ولقد غنيت زمانا أزور الكعاب ، واسأل الثّياب ، وأحسن الضّراب ، وآلف الأحباب ، فنأى الشّباب عنّي ، ودنا الموت منّي .
وحذّر رجل من الحكماء صديقا له صحبه آخر ، فقال : يا فلان ، احذر فلانا ، فإنه كثير المسألة ، حسن البحث ، لطيف الاستدراج ، يحفظ أوّل كلامك على آخره ، ويعتبر ما أخّرت بما قدّمت ، فلا تظهرنّ له المخافة ، فيرى أنك قد تحرّزت وتحفّظت . واعلم أنّ من يقظة الفطنة إظهار الغفلة مع شدة الحذر ، فباتّه مباتة « 5 » الآمن ، وتحفّظ منه تحفّظ الخائف ، فان البحث يظهر الخفيّ ، ويبدي المستتر الكامن .
هامش
( 1 ) بفتح الثاء المثلثة ، ويجوز ضمها أيضا
( 2 ) كذا في الأصلين « وإن هلكت على جهل » الخ ، والمعنى عليه غير مستقيم ، وأظن أن الأقرب أن يكون « وإن نجوت علي جهل » الخ أو ما هذا معناه .
( 3 ) في الأصل : « الخيار . . . المهري » ، وفي ح « المهدي » ، والصواب ما أثبتناه ، وله ترجمة في الإصابة ( ج 2 ص 153 ) ومختصر ابن عساكر ( ج 5 ص 183 ) وهذه القصة في الأمالي ( ج 2 ص 92 أطول ) .
( 4 ) اللدات - بكسر اللام وبالدال المهملة - : الأتراب والأقران ، جمع « لدة » وفي الأصلين « لذاتي » بالذال المعجمة ، وهو تصحيف ، وصححناه من الأمالي ، وفيه « وأثكلنى لداتى » .
( 5 ) مفاعلة من « البت » بمعنى القطع .