إن لقريش درجا تزلّ عنها أقدام الرجال ، وأفعالا تخشع لها رقاب الأموال ، وألسنا تكلّ « 1 » عنها الشّفار المشحوذة ، وغايات تقصر « 2 » عنها الجياد المنسوبة « 3 » ، ثم إنّ ناسا منهم تخلّقوا بأخلاق العوامّ ، فصار لهم رفق في اللّؤم « 4 » ، وخرق « 5 » في الحرص ، لو أمكنهم قاسموا الطّير أرزاقها ، إن خافوا مكروها تعجّلوا له الفقر ، وإن عجّلت لهم نعمة « 6 » أخّروا عليها الشكر ، أولئك أنضاء فكر العقل « 7 » ، وعجزة حملة الشّكر .
كتب معاوية بن أبي سفيان إلى أخيه عتبة « 8 » ، وهو على مصر ، في أقوام يعاقبهم ولا يراجعه فيهم . فكتب اليه عتبة : « يا أمير المؤمنين ، على أداء حقك أستعين اللّه ، وبه على جميع أمري أتوكّل « 9 » ، وأنا مقيّد بكتابك ، وصائر إلى أمرك ، ومتّخذه إماما إذا أمّ الحزم ، فإذا خالفه فعندها لم تغب عمّا شهدت ، ولم يدخل عليك ضرر ما فعلت ، ولقد علم الناس قبلي أنّ زنادتي ذكيّة الشّعل « 10 » لمن عاداك ، وأن جناي أحلى من العسل لمن والاك ، فثق بذلك لهم
هامش
( 1 ) في الأصل « يكل » .
( 2 ) في الأصل « يقصر » .
( 3 ) في الأمالي « الجياد المسومة » وهو أحسن .
( 4 ) في الأصل « اللوم » بفتح اللام وبدون همز ، وهو خطأ .
( 5 ) الخرق - بوزن قفل وسبب - : ضد الرفق ، وأن لا يحسن التصرف في الأمور ، وفي الأمالي « وتخرق » .
( 6 ) ضبط في الأصل منصوبا ، وهو لحن .
( 7 ) في الأمالي « أولئك أنضاه الفكر » وهو أحسن ؛ والأنضاء : جمع نضو - كحمل - وهو المهزول . وانظر جمهرة خطب العرب ( ج 2 ص 416 - 417 ) .
( 8 ) هو عتبة بن أبي سفيان أخو معاوية لأبيه وأمه . ولاه معاوية مصر فقدمها في ذي القعدة سنة 43 ، ومات مرابطا في الإسكندرية في ذي الحجة سنة 44 . أنظر ولاة مصر للكندي ( ص 34 - 36 ) ، وفي الأصل « إلى ابن أخيه عتبة » ، وهو خطأ واضح . وهذه القصة ليست في ح .
( 9 ) كذا في الأصل ، والأولى أن يقول : « وعليه في جميع أمرى أتوكل » كما هو ظاهر . وقد يكون لما هنا وجه مع التكلف .
( 10 ) الزنادة : هي الزناد أو الزند ، والشعل : بضم الشين ، وضبطت في الأصل بالفتح ، وهو خطأ .