قال : صليت وردي ليلة ومددت رجلي في المحراب فنوديت : يا سريّ ، كذا تجالس الملوك ؟ فضممتها وقلت : وعزّتك لا مددتها « 1 » . قال القرحانيّ :
سمعت الجنيد يقول : ما رأيت أعبد للّه من السريّ ؛ أتت عليه ثمان وسبعون « 2 » سنة ما رئي مضطجعا إلا في علة الموت . قال الجنيد : وسمعته يقول : إني لأنظر في كلّ يوم إلى أنفي مخافة أن يكون قد اسودّ ، وما أحبّ أن أموت حيث أعرف ، أخاف أن لا تقبلني الأرض فأفتضح . وسمعته يقول :
فاتني جزء من وردي فلا يمكنني قضاؤه . يعني : لاستغراق أوقاته . قال أبو بكر الحربيّ : سمعت السريّ يقول : حمدت اللّه مرة ، فأنا أستغفر من ذلك الحمد منذ ثلاثين سنة . قيل : وكيف ذلك ؟ قال : كان لي دكان فيه متاع فاحترق السوق ، فلقيني رجل فقال : أبشر ، دكانك سلمت . فقلت : الحمد للّه . ثم فكرت فرأيتها خطيئة .
ويقال : إن السريّ رأى جارية سقط من يدها إناء فانكسر ، فأخذ من دكانه إناء / فأعطاها ، فرآه معروف الكرخيّ فدعا له قال : بغّض اللّه إليك الدنيا .
قال : فهذا الذي أنا فيه من بركات معروف « 3 » . قال الجنيد : سمعت سريا يقول : أشتهي منذ ثلاثين سنة جزرة أغمسها في دبس وآكلها ، فما تصحّ لي ، وسمعته يقول : أحبّ أن آكل لقمة ليس للّه عليّ فيها تبعة ، ولا لمخلوق فيها منّة فما أجد إلى ذلك سبيلا ، ودخلت على السريّ وهو يجود بنفسه فقلت : أوصني . فقال : لا تصحب الأشرار ، ولا تشتغلنّ عن اللّه بمجالسة الأخيار . قال شيخنا الحافظ الذهبيّ : وممّن صحبه : العباس بن يوسف
هامش
( 1 ) يقصد أنه لن يمدّ رجله بعد الآن .
( 2 ) وعند ابن خلكان : ثمان وتسعون ، وهو أكثر صوابا إذا علمنا أنه عاش بين 160 - 253 ه . ولعل علة الموت في أواخر أيامه .
( 3 ) انظر الرواية في ( وفيات الأعيان : 2 / 101 ) ، ففيها خلاف .