لذي النون : إنّ هؤلاء يمرون إلى السلطان يشهدون عليك بالكفر . فقال :
اللهمّ إن كانوا كاذبين فغرّقهم . فانقلب الزورق وغرقوا . فقلت له : فما بال الملّاح ؟ قال : لم حملهم وهو يعلم قصدهم ؟ ولأن يقفوا بين يدي اللّه غرقى خير لهم من أن يقفوا شهود زور . ثم انتفض وتغيّر وقال : وعزّتك لا أدعو على أحد بعدها .
ثم دعاه أمير مصر وسأله عن اعتقاده فتكلم فرضي آمرهم . وطلبه المتوكل ، فلما سمع كلامه ولع به / وأحبّه . وكان يقول : إذا ذكر الصالحون فحيّهلا « 1 » بذي النون . قال عليّ بن حاتم : سمعت ذا النون يقول : القرآن كلام اللّه غير مخلوق . وعن عمرو بن السّرح : قلت لذي النون : كيف خلصت من المتوكل وقد أمر بقتلك ؟ قال : لما أوصلني الغلام قلت في نفسي : يا من ليس في البحار قطرات ، ولا في دبلح البحار دبلحات « 2 » ، ولا في خبيئات ولا في القلوب خاطرات إلا وهي عليه دليلات ذلك شاهدات ، وبربوبيّتك معترفات ، وفي قدرتك متحيرات . فبالقدرة التي تحيّر بها من في الأرضين والسماوات إلا صلّيت على محمد وعلى آل محمد ، وأخذت قلبه عني . فقام المتوكل يخطو حتى اعتنقني ثم قال : أتعبناك يا أبا الفيض .
وقال يوسف بن الحسين : حضرت مع ذي النون مجلس المتوكل ، وكان مولعا به يفضّله على الزهاد فقال : صف لي أولياء اللّه . قال : يا أمير المؤمنين ، هم قوم ألبسهم اللّه النور الساطع من محبته ، وحلّلهم بالبهاء من كرامته ، ووضع على مفارقهم تيجان مسرّته . وذكر كلاما طويلا . وقال يوسف
هامش
( 1 ) في الأصل : فحيّ هلا وهو جائز ، وكذا قولهم : حيّ هل . وهو اسم فعل أمر بمعنى أقبل وعجّل .
( 2 ) كذا قرأناها ، ولم نجد لها معنى . ولعلها من « دلخ الإناء : امتلأ حتى يفيض » ، أو من « دلج : أخذ الماء وأفرغها في الحوض » .