به الرسول باب أمير المؤمنين المعتصم في يوم الموكب حين يجلس للعامة ، ودخل عليه ، فلما مثل بين يديه ، دعا بالنّطع والسيف ، فأحضرا ، فجعل تميم بن جميل ينظر إليها ولا يقول شيئا ، وجعل المعتصم يصعّد النظر فيه ويصوّبه ، وكان جسيما وسيما ، ورأى أن يستنطقه لينظر أين جنانه ولسانه من منظره . فقال : يا تميم ، إن كان لك عذر فأت به ، أو حجة فأدل بها .
فقال : أما إذ قد أذن لي أمير المؤمنين فإني أقول : الحمد للّه الذي أحسن كلّ شيء خلقه ، وبدأ خلق الإنسان من طين ، ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين . يا أمير المؤمنين ، إن الذنوب تخرس الألسنة ، وتصدع الأفئدة ، ولقد عظمت الجريرة وكبر الذنب ، وساء الظنّ ، ولم يبق إلا عفوك أو انتقامك ، وأرجو أن يكون أقربهما منك وأسرعهما إليك أولاهما بامتنانك ، وأشبههما بخلائقك . ثم أنشأ يقول :
أرى الموت بين السّيف والنطع كامنا * يلاحظني من حيثما أتلفّت
وأكبر ظنّي أنّك اليوم قاتلي * وأيّ امرئ ممّا قضى اللّه يفلت
ومن ذا الذي يدلي بعذر وحجة * وسيف المنايا بين عينيه مصلت « 1 »
يعزّ على الأوس بن تغلب موقف * يسلّ عليّ السيف فيه وأسكت
وما جزعي من أن أموت وإنّني * لأعلم أنّ الموت شيء موقّت
ولكنّ خلفي صبية قد تركتهم * وأكبادهم من حسرة تتفتّت
كأني أراهم حين أنعى إليهم * وقد خمشوا تلك الوجوه وصوّتوا
فإن عشت عاشوا خافضين بغبطة * أذود الرّدى عنهم وإن متّ موّتوا
فكم قائل لا يبعد اللّه روحه * وآخر جذلان يسرّ ويشمت
قال : فتبسم المعتصم وقال : كاد واللّه يا تميم أن يسبق السيف العذل ، اذهب ، فقد غفرت لك الصبوة « 2 » ، وتركتك للصبية .
هامش
( 1 ) مصلت : مسلول ومشهور .
( 2 ) الصبوة : الجهل والطيش .