تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العقد الفريد — صفحة 31

مساهمون:

ص٣١
أنت بين يديه أذلّ مني بين يديك ؛ وهو على عقابك أقدر منك على عقابي ، إلا نظرت في أمري نظر من برئى أحبّ إليه من سقمي ، وبراءتي أحبّ إليه من جرمي . وقال خالد بن عبد اللّه لسليمان بن عبد الملك حين وجد عليه : يا أمير المؤمنين ، إن القدرة تذهب الحفيظة ؛ وأنت تجلّ عن العقوبة ونحن مقرّون بالذنب ؛ فإن تعف عنّي فأهل ذلك أنت ، وإن تعاقبني فأهل ذلك أنا . وأمر معاوية بن أبي سفيان بعقوبة روح بن زنباع ، فقال له : أنشدك اللّه يا أمير المؤمنين ألا تضع مني خسيسة أنت رفعتها ، أو تنقض منّي مريرة أنت أبرمتها « 1 » ، أو تشمت بي عدوّا أنت وقمته « 2 » ، إلّا أتى حلمك وصفحك على خطئي وجهلي . فقال معاوية : خلّيا عنه ، إذا أراد اللّه أمرا يسّره . وجد عبد الملك بن مروان على رجل فجفاه واطّرحه ، ثم دعا به ليسأله عن شيء ، فرآه شاحبا ناحلا ؛ فقال له : مذ متى اعتللت ؟ فقال :
ما مسّني سقم ولكنّني * جفوت نفسي إذ جفاني الأمير
وآليت ألا أرضى عنها حتى يرضى عني أمير المؤمنين . فأعاده إلى نفسه . وقعد الحسن بن سهل لنعيم بن حازم ، فأقبل إليه حافيا حاسرا وهو يقول : ذنبي أعظم من السماء ، ذنبي أعظم من الأرض . فقال له الحسن : على رسلك أيها الرجل ، لا بأس عليك ، قد تقدمت لك طاعة ، وحدثت لك توبة ، وليس للذنب بينهما موضع ، ولئن وجد موضعا فما ذنبك في الذنوب بأعظم من عفو أمير المؤمنين في العفو .

المأمون وهاشمي أذنب :

أذنب رجل من بني هاشم ذنبا إلى المأمون ، فعاتبه فيه . فقال : يا أمير المؤمنين ، من حمل مثل دالّتي ، ولبس ثوب حرمتي ، ومتّ « 3 » بمثل قرابتي ، اغتفر له فوق زلّتي .
هامش
( 1 ) ابرمتها : عقدتها وفتلتها ، والمريرة : طاقة الحبل . ( 2 ) وقمته : قهرته وصرفته وأوقفته . ( 3 ) متّ اتصل .