تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العقد الفريد — صفحة 30

مساهمون:

ص٣٠
وتبلغها إذا بسطت ، ونفسا تكمل لخصالها ، وتستحقها بفعالها - وإن كنت لم أجن تلك الخصال ، ولم أصطنع تلك الفعال ، ولم أترشّح لها في السر ، ولا أشرت إليها في الجهر - ورآها تحنّ إليّ حنين الوالدة الوالهة ، وتميل ميل الهلوك ؛ وخاف أن ترغب إلى خير مرغب ، وتنزع إلى أخصب منزع ، عاقبني عقاب من سهر في طلبها ، وجهد في التماسها ، فإن كان إنما حسبني أني أصلح لها وتصلح لي ، وأليق بها وتليق بي ، فليس ذلك بذنب جنيته فأتوب منه ، ولا تطاولت له فأحطّ نفسي عنه ؛ وإن زعم أنه لا صرف لعقابه ، ولا نجاة من عذابه ، إلا أن أخرج له من حدّ العلم والحلم والحزم ؛ فكما لا يستطيع المضياع أن يكون مصلحا ، كذلك لا يستطيع العاقل أن يكون جاهلا . وسواء عليه أعاقبني على علمي وحلمي ، أم عاقبني على نسبي وسني ، وسواء عليه عاقبني على جمالي أو عاقبني على محبة الناس لي . ولو أردتها لأعجلته عن التفكير ، وشغلته عن التدبير ، ولما كان فيها من الخطب إلا اليسير .

ابن مسلم حين بلغه غضب الخليفة على رجاء :

إبراهيم بن السّندي قال : كنت أساير سعد بن سلم ، حتى قيل له : إن أمير المؤمنين قد غضب على رجاء بن أبي الضحّاك وأمر بأخذ ماله ، فارتاع بذلك وجزع ، فقيل له : ما يروعك منه ؟ فو اللّه ما جعل اللّه بينكما نسبا ولا سببا . فقال : بلى ، النّعمة نسب بين أهلها ، والطاعة سبب مؤكّد بين الأولياء . وبعث بعض الملوك إلى رجل وجد عليه : فقال لما مثل بين يديه : أيها الأمير ، إن الغضب شيطان فاستعذ باللّه منه ؛ وإنما خلق العفو للمذنب ، والتجاوز للمسيء ، فلا تضق عما وسع الرعيّة من حلمك وعفوك . فعفا عنه وأطلق سبيله . ولما اتهم قتيبة بن مسلم أبا مجلز على بعض الأمر ، قال : أصلح اللّه الأمير ، وأستغفر الرب ، أسأل العافية ! قال : قد عفونا عنك . وأرسل بعض الملوك في رجل أراد عقوبته ، فلما مثل بين يديه قال : أسألك بالذي
العقد الفريد — صفحة 30 | مفيد محمد قمحية / أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي