تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العقد الفريد — صفحة 34

مساهمون:

ص٣٤

المهدي وأبو عبيد اللّه بعد قتل ابنه :

وحكي أن أمير المؤمنين المهدي قال لأبي عبيد اللّه لما قتل ابنه : إنه لو كان في صالح خدمتك وما تعرّفناه من طاعتك ، وفاء يجب به الصفح عن ولدك ، ما تجاوز أمير المؤمنين ذلك به إلى غيره ؛ ولكنه نكص « 1 » على عقبيه وكفر بربّه . قال أبو عبيد اللّه : رضانا عن أنفسنا وسخطنا عليها موصول برضاك وسخطك ، ونحن خدم نعمتك ، تثيبنا على الإحسان فنشكر ، وتعاقبنا على الإساءة فنصبر .

المنصور وجعفر ابن محمد :

أبو الحسن المدائني قال : لما حج المنصور مرّ بالمدينة ، فقال للربيع الحاجب : عليّ بجعفر بن محمد ، قتلني اللّه إن لم أقتله . فمطل « 2 » به ، ثم ألحّ عليه فحضر ، فلما كشف الستر بينه وبينه ومثل بين يديه ، همس جعفر بشفتيه ، ثم تقرّب وسلّم ، فقال : لا سلّم اللّه عليك يا عدوّ اللّه ، تعمل عليّ الغوائل في ملكي ؟ قتلني اللّه إن لم أقتلك . قال : يا أمير المؤمنين ، إنّ سليمان صلّى اللّه على محمد وعليه ، أعطي فشكر ، وإن أيوب ابتلي فصبر ، وإن يوسف ظلم فغفر ؛ وأنت على إرث منهم ، وأحقّ من تأسّى بهم . فنكس أبو جعفر رأسه مليا . وجعفر واقف ، ثم رفع رأسه فقال : إليّ أبا عبد اللّه ، فأنت القريب القرابة ، وذو الرّحم الواشجة « 3 » السليم الناحية ، القليل الغائلة « 4 » . ثم صافحه بيمينه ، وعانقه بشماله ، وأجلسه معه على فراشه وانحرف له عن بعضه ، وأقبل عليه بوجهه يحادثه ويسائله . ثم قال : يا ربيع ، عجّل لأبي عبد اللّه كسوته وجائزته وإذنه . قال الربيع : فلما حال الستر بيني وبينه أمسكت بثوبه ، فقال : ما أرانا يا ربيع إلا وقد حبسنا . فقلت : لا عليك ! هذه منّي لا منه . فقال : هذه أيسر ، سل حاجتك . فقلت له : إني منذ ثلاث أدفع عنك وأداري عليك ، ورأيتك إذ دخلت همست
هامش
( 1 ) نكص : فرّ . ( 2 ) مطل به : أي اختلفت الأسباب لتخلّفه عن الحضور . ( 3 ) الواشجة : القرابة المتصلة المشتبكة . ( 4 ) الغائلة : الشرّ والعناد والحقد .