الشرور ، والسّمّو إلى معالي الأمور ، والإحسان إلى من أساء ، ومكافأة من أحسن ، وقضاء حوائج الناس « 1 » .
فهذه جملة من زيّهم في حسن مناقبهم ، ومستحسن جميل مذاهبهم ، ولهم أيضا رقّة الطّبع ، والتّلطّف في كلّ الأمور ، والمداراة ، والتّملّق ، والتأنّي ، والترفّق .
ومن ذلك قولهم : من حبّ طبّ « 2 » ، أي رفق ودارى ، ومن ذلك سمّي الطّبيب طبيا لترفّقه ومداراته ؛ والعرب تقول : هو طبّ بالأمور ، أي عالم رفيق .
قال عمر بن أبي ربيعة « 3 » ؛ [ من الرمل ]
فأتتها طبّة عالمة * تخلط الجدّ مرارا باللّعب
ترفع الصّوت إذا لانت لها * وتراخى عند سورات الغضب
ولهم حسن التأنّي فيما يريدونه ، ولطيف الحيل فيما يحاولونه ، وخفيّ التلطّف لما يطالبونه ؛ حوائجهم سريّة ، وسرائرهم مخفيّة ، وأمورهم باطنة ، وحيلهم لطيفة ، يوردون الأمور مواردها ، ويصدرونها مصادرها . ولهم فيما استحسنوا من الهدايا بينهم ، والبرّ والملاطفة والمكاتبة ، والتحفة من غيرهم ، ما يستصغر . ومن ذلك أنّهم ربما أهدوا الأترجّة الواحدة ، والتفاحة الواحدة ، والدّستبوية « 4 » اللّطيفة ، والشّمّامة اللطيفة ، والغصن من الرّيحان ، والطاقة من النّرجس ، والرّطل من الشّراب ، والقطعة من العود ، والمخزنة من الطّيب ، والشيء اليسير ، والوهط الصغير ، ونظير ذلك من الأشياء القليلة ، الحقيرة والذّليلة ، التي لا قدر لها عند ذوي العقول ، فيستكثر ذلك منهم ، ويتلقى بالقبول ، وتستحسن هداياهم وتستظرف ، ويفرح بها وتستطرف . ورغبة غيرهم من الناس في الأشياء الجليلة ،
هامش
( 1 ) هذه الأقوال ورد معظمها في باب المروءة ، وأورد أكثرها البيروني في الجماهر 10 .
( 2 ) وارد في لسان العرب 1 : 553 بصيغة أخرى وبنفس المعنى .
( 3 ) ديوانه 15 .
( 4 ) الدستبويه : أو الدستنبويه ، نوع من البطيخ الأصفر ، صغير مضلع جميل الرائحة .