تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الظرف والظرفاء — صفحة 287

مساهمون:

ص٢٨٧
وحدّثنا أحمد بن محمد بن غالب قال : حدثنا إسماعيل بن محمد بن راشد بن سعيد عن عكرمة « 4 » عن ابن عباس قال : من قلّة مروّة الرّجل نظره في مرآة الحجّام ، واطلاعه في بيت الحائك . وقد ينبغي للظريف أن يدخل الحمّام على خلوة ، لئلا ينظر فيه إلى سوءة ، ولا يمدّ عينه إلى أحد ، ولا يعلّق ثوبه على وتد ، ولا يدلّي رجله في البئر التي ينصبّ إليها الماء ، فإن ذلك ممّا يفعله الأدنياء . ولا يدلك يديه بخرقة ، فإن ذلك ممّا يستعمله السخفاء ، ولا يتمرغ على حرارة أرض الحمام ، فإن ذلك ممّا يفعله سفلة العوامّ . بل ينبغي له أن يدخله متّزرا ، ويقعد فيه معتزلا ، ولا يقعد مستوفزا على رجله ، فإن ذلك طعن على عقله ، ولا يميل مضطجعا ، بل ينتصب متربّعا ، حتى إذا نضب العرق من بدنه ، وتحدّر على جسده ، وكان عرقه بين الكثير والقليل ، نشّفه عن بدنه بمنديل ، ثم دعا لرأسه بالغسول ، والأشنان « 5 » المنخول . فإن كان من أهل المروات والنّعم ، وأهل البيوتات والقدر ممّن لا ينسب في فعله إلى شيء ليس من شكله فليبتدىء دخوله الحمّام بالإمساك عن الكلام ، والتجرّع من الماء الحارّ ثلاث جرع ، وليقعد للعرق فوق نطع « 6 » ، حتى إذا عرق سلت بدنه ، وجمع عرقه فوزنه ، وهذا الفعل لا يصلح إلا الذي نعمة ، أو شريف ، أو متأدّب فيلسوف ، وأمّا سائر الناس من أهل الظّرف ، فإنّهم ينسبون بهذا الفعل إلى السّخف . « [ 198 ] » ولا ينبغي لظريف أن يمشي بلا سراويل ، ولا يتّزر بمنديل . ولا يمشي محلول الإزار ، ولا مسبل الإزار . ولا يماكس في الشّرى ، ولا يركب حمار الكرى .
هامش
( 4 ) عكرمة ( توفي بين 104 أو 110 ه ) ، أبو عبد اللّه القرشي ، مولى ابن عباس ، بربري الأصل . علّامة حافظ . مديني قدم من مصر كان كثير الأسفار ، ورحل إلى مصر وخراسان واليمن وأصبهان والمغرب ( شذرات الذهب 1 : 130 ، سير أعلام النبلاء 5 : 12 ) . ( 5 ) الأشنان : بضم الهمزة وكسرها . الحرض ، وهو أنواع ألطفها الأبيض ويسمى بحرة العضافير ، والأخضر ويسمى بالفاسول وكلاهما جلاء فيق . ( 6 ) نطع : بساط من جلد . ( [ 198 ] ) . . .