« [ 163 ] » وقد بلغنا أنّ ببعض بلاد الهند قوما لا يعشقون ، ويرونه ضربا من السّحر والجنون ، وذلك لمن فيهم الفلسفة ، ولهم الحكمة والتجربة . وزعموا أنّ سبب العشق سبب النّوى وفيه المذلّة والعناء ، ومنه يكون السّقم والضّنى . وأكثر من في النساء وفاء ، أسرعهنّ خيانة وجفاء ، وأعطاهنّ حلفا وأيمانا ، أسرعهن خبثا وسلوانا .
فيا رحمتي للأدباء ، وشفقتي على الظّرفاء ، فما أطول بلاءهم ، وأكثر شقاءهم ، وأسخن عيونهم . يبتلى العزيز منهم بالذّليلة ، والكثير منهم بالقليلة ، والشريف بالدّنيّة ، والنبيل بالزريّة . فيطول في عشقها سهره ، ويكثر في أمورها فكره ، وتنهلّ عليها إذا نأت دموعه ، ويطول لديها إذا قربت خضوعه ، وهي تظهر له المحبّة ، وتبدي له الرّغبة ، وتحلف بالأيمان المحرّجات ، والعهود الموكّدات ، أنه حظّها من الآدميّين ، وشغلها دون سائر العالمين . وتريه الجزع عند الفراق ، والفرح عند التّلاق ، فتملأ قلبه همّا ، وتورثه ضني وسقما ، وهي تكاتب سواه ، ولا تعبأ بهواه ، لها في كل زاوية ربيط ، وفي كل محلّة خليط ، لم يعدها قول الشاعر « 1 » :
[ من الوافر ]
فيا من ليس يقنعها محبّ ، * ولا ألفا محبّ كلّ عام
أظنك من بقيّة قوم موسى ، * فهم لا يصبرون على طعام
أتيت فؤادها أشكو إليه ، * فلم أخلص إليه من الزّحام
ولا قول الذي أنشدني قوله أيضا : [ من البسيط ]
الخان يعجز عن قوم إذا كثروا ، * لكنّ قلبك مثل الخان أضعاف
في كلّ يوم له خمسون يعشقهم ، * في كلّ شهر له ألف وآلاف
وحكى الهيثم بن عديّ أن رجلا من العرب هوي جارية ، فتمسك بودّها ،
هامش
( [ 163 ] ) . . .
( 1 ) الأبيات في ديوان أبي نواس 585 وتنسب له في العقد الفريد 6 : 64 . وفيها اختلاف يسير .