فرح إلا في المراسلة ، ولا سرور إلا في النظر من بعيد ، ولا يقدرن على اللّقاء إلا في الخروج في كلّ عيد . وأولئك اللواتي تخفّ أمورهن ، وتعنّي سرائرهن ، ويطمع الجاهل فيهن ، ويصبو النّزق إليهن ، ويثق بحبّهن الأحداث والأطفال ، ولا يتمسّك بمودّتهن إلا الجهّال ، مع أنّ مكرهن أخفى من الخيال ، وأعظم من راسيات الجبال ، تنفذ حيلهن على الرجال ، ويتمكّن كيدهنّ من الأبطال ، وفيما خبّر اللّه ، جلّ ثناؤه ، في بعض القرآن ، من عظيم كيدهنّ ، ولطف حيلهنّ ، ما يغني عن شرح كثير من سرّهنّ ، وإنّ في قصّة زليخا ويوسف « 4 » ما يستغني به ذوو العقل والأفهام من مكرهن القويّ ، وكيدهن الخفيّ .
« [ 164 ] » ولن يحترز منهن إلا المجرّب ، ويتّقي منهنّ إلا المدرّب ، فإنّ ذا الحنكة ، إذا كان بهنّ عليما ، وكان في أمورهن حكيما ، أخذ من حبّهن عفوه ، وشرب من هواهن صفوه ، ولم يعلق بهن فؤاده ، ولم يملكن قياده ، وذلك الحسن الحال ، الرّخيّ البال ، لم تؤرّقه الغموم ، ولم تنضجه الهموم . لا كالذي غلب عليه الشقاء ، وأتيح له البلاء ، فركن إلى حبّهن ، ودعته الرّغبة إلى ودّهن ، فتمكّن منه الهوى ، وتفرّد به الضّنى ، وتلك لا تشعر بسهره ، ولا تعبأ بفكره . وباللّه أقسم صادقا ، لو حلفت أنهن لا يعرفن شيئا من الوفاء ، ما حنثت ، ولو بحث المغرور بهنّ ، المخدوع بحبّهن ، عن صحيح أخبارهنّ ، وفحص عن مكنون أسرارهن ، لوقف على صورة غدرهن ، ولبان له جملة من مكرهنّ ، ولهنّ عليه بعد الكرامة ، ولرجع على نفسه بالملامة ، كما أنشدني بعض الأدباء لنفسه : [ من الطويل ]
أوصلك أرجو ، بعد أن رثّ حبله ، * لقد ضلّ سعيي ، إذ رجوت ملولا
أتوب إليك اليوم من كلّ توبة ، * فقد هنت في عيني ، وكنت جليلا
إذا لم يجد إلفي عن الغدر مذهبا ، * وجدت إلى حسن العزاء سبيلا
فو اللّه لا أرضيت داعية الهوى * إليك ، ولا أغضبت فيك عذولا
هامش
( 4 ) قصة زليخا ويوسف : انظر عبد الوهاب النجار ، قصص الأنبياء 120 .
( [ 164 ] ) . . . . . . . .