فجاء يوما ، وعندها فتى أصفر كأنه محّة ، يتولّج عليهم بيتهم بغير إذن ، ويختلط بهم اختلاطا يكرهه نصيب ، فوثب إلى رحله ، فشدّه على راحلته ، فعلقت به الجارية وقالت : ألا تبوء عندنا يا أبا محجن كعادتك ؟ فقال « 2 » : [ من الطويل ]
أراك طموح العين ، طارفة الهوى * لهذا ، وهذا منك ودّ مؤالف
فإن تحملي ردفين لا أك منهما ، * فجيئي بفرد إنّني لا أرادف
وأنشدني إبراهيم بن محمد النّحوي لنفسه : [ من الكامل ]
يا من توهّم أنّنا نهواه ، * ونذوب شوقا إن نأى مثواه
كذبتك نفسك في بعادك راحة * إن كنت ممّن مهجتي تسلاه
لا يجمع القلب القريح صبابة * وتأذّيا منه بمن يهواه
لكن ، إذا حلّ الأذى صرف الهوى ، * فانزاح عن قلب المحبّ هواه
ومثل ذلك قول أسماء بن خارجة « 3 » الفزاري : [ من الطويل ]
خذي العفو منّي تستديمي مودّتي ، * ولا تنطقي في سورتي حين أغضب « 4 »
فإنّي رأيت الحبّ في القلب والأذى * إذا اجتمعنا ، لم يلبث الحبّ يدهب
ومثله قول الآخر : [ من الطويل ]
وصلتك لمّا أن رأيتك واصلا ، * وباعدت حبل الوصل لمّا بدا لكا
توهّمت منك الحفظ والرّعي للهوى * يكون ، فلمّا أن رأيت فعالكا
زجرت فؤادي ، واجتنبتك بعد ما * رأيت ، ونحّيت الهوى عن إنائكا
هامش
( 2 ) شعر نصيب 105 ، الوحشيات 306 . ويرد عجز البيت الثاني : فحبي فرد لست ممن يرادف .
( 3 ) أسماء بن خارجة بن حصين الفزاري ( توفي 16 ه ) : تابعي من رجال الطبقة الأولى ، كوفي . كان سيد قومه ، جوادا ( الاعلام 1 : 305 ، فوات الوفيات 1 : 168 ، الوافي 9 : 59 ، أعلام النبلاء 3 : 535 ) .
( 4 ) البيتان لأسماء في فوات 1 : 169 ، الوافي 9 : 61 وفي بهجة المجالس 2 : 56 الحماسة البصرية 2 : 71 لعامر بن عمرو بن البكاء وفي تزيين الأسواق 303 لأبي الأسود الدؤلي ولشريح القاضي في الوحشيات 185 وفي عيون الأخبار 3 : 11 وفي محاضرات الأدباء 2 : 262 ولباب الآداب 117 دون نسبة ، وهما في ديوان أبي الأسود 129