وأين ظرف النّساء وحسنهن من غيرهنّ ، وأين ملاحة سلامهن ، وحلاوة كلامهن ، ومستحسن مداعبتهن ، ومحبوب معاتبتهن ، ومليح مراسلتهن ، لا سيما إن شبن هواهن بالغيرة على محبّيهن ، والتدلّل على متعشقيهن ، وصددن من غير زلل ، وهجرن من غير ملل . وهنّ واللّه في كلّ أحوالهن القاتلات بأفعالهن ، وصالهن ختل ، وصدّهن قتل . وهنّ المالكات للقلوب ، السالبات للعقول ، إذا خلون مزحن ، وإن ظهرن نظرن ، فقتلن بلحظ عيونهن ، وصرعن بكسر جفونهن ، وأحيين بقولهن الكاذب ، ووعدهن الخائب . فلا شيء أحسن من مطلهن ، ولا ألذّ من خلف وعدهن . وقد استحسنت الشعراء ذلك منهن ، ومدحته في كثير من الأشعار فيهن .
« [ 157 ] » أخبرني أحمد بن يحيى عن الزّبير بن بكار عن سليمان بن عياش السعدي عن أبيه عن جده قال : حدثني السائب راوية كثيّر قال : كان كثيّر رجلا مذبوبا ، لا يستقرّ في مكان ، فقال لي ذات يوم : اذهب بنا إلى ابن أبي عتيق نتحدّث عنده . فأتيناه ، فاستنشد ابن أبي عتيق كثيّرا فأنشده « 1 » : [ من الطويل ]
أبائنة سعدى ؟ نعم ستبين ، * كما أنبتّ من حبل القرين قرين « 2 »
أإن زمّ أجمال ، وفارق جيرة ، * وصاح غراب البين أنت حزين
كأنّك لم تسمع ، ولم تر قبلها * تفرّق ألّاف لهنّ حنين
حنين إلى ألّافهنّ ، وقد بدا * لهنّ من الشّكّ الغداة يقين
حتى إذا بلغ إلى قوله :
فأخلفن ميعادي ، وخنّ أمانتي * وليس لمن خان الأمانة دين
قال ابن أبي عتيق : أو على الدين صحبتهن يا ابن أبي جمعة ، ذلك أملح لهنّ ،
هامش
( [ 157 ] ) . . .
( 1 ) الأبيات في ديوان كثير . 170 ، 172 .
( 2 ) القرين : البعير المقرون بآخر . الألاف . الإبل التي كانت تألف بعضها بعضا .
الأقران : مفردها قرن وهو الحبل .