تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز — صفحة 97

مساهمون:

ص٩٧

الصنف الثلاثون في التلميح

وهو نوع من أنواع البديع ، له في البلاغة موقع شريف ، ويحل من الفصاحة في محل مرتفع منيف ، وهو « تفعيل » بتقديم اللام على الميم : يقال لمحه وألمحه ، إذا أبصره بنظر خفى ، ولمح البرق إذا أضاء ولمع ، وفي فلان من أبيه لمحة ، أي شبه وفيه ملامح من أبيه ، أي مشابهات ، وجمعها ملامح على غير قياس ، والقياس فيه لمحات ، هذا هو معناه اللغوي ، وفي مصطلح علماء البيان هو أن يشير المتكلم في أثناء كلامه ومعاطف شعره أو خطبه إلى مثل سائر ، أو شعر نادر ، أو قصة مشهورة فيلمحها فيوردها لتكون علامة في كلامه ، وكالشامة في نظامه ، فيحصل الكلام من أجل ذلك على لطافة رشيقة ، وبراعة رائقة ، وقد وقع ذلك في كلام الله تعالى : كقوله :
مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ
[ العنكبوت : 41 ] يشير بذلك إلى المثل السائر : أرقّ من نسج العنكبوت ، وأضعف من بيتها ، وكقوله تعالى :
كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً
[ الجمعة : 5 ] يشير به إلى قولهم في الأمثال السائرة : أجهل من حمار ، وأبلد من عير ، وقوله تعالى :
يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ ( 4 )
[ القارعة : 4 ] يشير إلى قولهم : أعظم تهورا من فراشة ، وقوله تعالى :
فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ
[ الأعراف : 176 ] يشير به إلى قولهم : فلان ألهث من كلب ، وأما أمثلته من السنة النبوية فكقوله عليه السلام : « أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد : ألا كل شيء ما خلا الله باطل » « 1 » ، وقوله عليه السلام : « بئس مطية الرجل زعموا » « 2 » ، وفي حديث آخر : « مطية الكذب زعموا » ، وأراد بما ذكره عليه السلام من يكون أكثر كلامه : زعم زعم ، فلا يزال يكرر في أثناء خطابه هذه اللفظة ويرددها على لسانه ، والمعنى فيها بئس ما يكرره الإنسان في كلامه ويستروح إليه ، هذه اللفظة ، لما فيها من التوهم والظن ، ولهذا فإنها ما وردت في كلام الله تعالى إلا من جهة الكفار والمكذبين بأمر الآخرة وحال المعاد الأخروى ، كقوله تعالى :
بَلْ ظَنَنْتُمْ
« 3 »
أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلى أَهْلِيهِمْ أَبَداً
[ الفتح : 12 ] وقوله تعالى :
زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ
[ التغابن : 7 ] فقوله
هامش
( 1 ) صحيح . أخرجه البخاري ومسلم وابن ماجة عن أبي هريرة ، وانظر صحيح الجامع ح ( 1013 ) . ( 2 ) صحيح . أخرجه أحمد في المسند وأبو داود عن حذيفة ، وانظر صحيح الجامع ح ( 2846 ) ، والصحيحة ( 866 ) . ( 3 ) أورد المؤلف الآية هكذا :بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ . . . ..