تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز — صفحة 98

مساهمون:

ص٩٨
عليه السلام بئس مطية الرجل زعموا ، تلميح لما فيه من الإشارة إلى موقع هذه الكلمة ، ومن كلام أمير المؤمنين كرم الله وجهه في خطبته الشّقشقية : فصبرت وفي العين قذى ، وفي الحلق شجى ، أرى تراثي نهبا ، حتى إذا مضى الأول لسبيله « يعنى أبا بكر » أدلى بها لي فلان بعده « يعنى عمر » لأنه عقد له بالخلافة قبل وفاته ، ثم تمثل أمير المؤمنين ببيت الأعشى :
شتان ما يومى على كورها * ويوم حيّان أخي جابر « 1 »
فاستشهاده بهذا البيت واقع موقع التلميح في كلامه هذا لكونه مطابقا لمقصده ، موافقا لغرضه ، لأن غرضه من ذلك تباين الحال ومفارقة الأمر بين ولايته وولاية غيره كما يشهد له ظاهر البيت ، ومن ذلك ما قاله متمثلا به لما شكا من أصحابه تقاعدهم عن الجهاد وميلهم إلى الدعة والإعراض عن أمره ، اللهم مث قلوبهم كما يماث الملح في الماء ، والله لوددت أن لي بكم ألف فارس من فراس بن غنم :
هنالك لو دعوت أتاك منهم * فوارس مثل أرمية الحميم « 2 »
فهذا البيت واقع على جهة التلميح لأن فيه إشارة إلى سرعة إجابتهم لمن يدعوهم ويعرض فيه بأصحابه لتثاقلهم عن إجابة أمره ، والحميم هاهنا هو وقت الصيف ، وإنما خص الشاعر سحاب الصيف لأنه أشدّ جفولا ، وأسرع زوالا وحركة ؛ لأنه لا ماء فيه ، وإنما يكون السحاب ثقيل السير لامتلائه بالماء كما قال تعالى :
وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ ( 12 )
[ الرعد : 12 ] وذلك إنما يكون في مطر الربيع ، وهذا إنما يكون في الشأم ، فأما اليمن فأكثر المطر فيه يكون في الصيف والخريف وكما قال بعض الشعراء :
المستغيث بعمرو يوم كربته * كالمستغيث من الرّمضاء بالنّار « 3 »
يشير بذلك إلى قصة كانت لعمرو ، وكقوله في الحريريات إبطاء فند ، وصلود زند ، يشير بذلك إلى قصة كانت لفند ، فما هذا حاله يقال له التلميح كما ذكرنا في اشتقاقه ، ولو قيل في لقبه التمليح ، بتقديم الميم على اللام لكان حسنا جيدا مطابقا للاشتقاق ، يقال ملحت القدر وأملحتها وملّحتها تمليحا فملح وأملح إذا طرحه بقدر يصلحها ، وملّحها إذا زاد في ملحها حتى أفسدها ، والمعنى في تلقيبه بهذا اللقب هو أنه إذا أشار إلى قصة نادرة أو بيت حسن ، أو مثل سائر فقد ملحه وزاد في حسنه كما يزيد الملح في حسن الطعام ومساغه ، فهذا الاشتقاق يكون سائغا ويلقّب به .
هامش
( 1 ) انظر ديوانه ص 197 ، وشرح المفصل 4 / 68 ، والصاحبى في فقه اللغة ص 155 ، والمقرب 1 / 133 . ( 2 ) البيت في الإيضاح ص 368 . ( 3 ) البيت لابن دريد في تاج العروس ( دعص ) ؛ وليس في ديوانه ؛ وبلا نسبة في لسان العرب ( دعص ) وجمهرة اللغة ص 653 ، ويروى : ( من الدعصاء ) بدلا ( من الرمضاء ) .
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز — صفحة 98 | يحيي بن حمزة العلوي اليمني / عبد الحميد هنداوي