الصنف الثاني والثلاثون في الخيف
وهو فن من فنون البلاغة حسن التأليف والانتظام مشتمل على ما يجوز فيه من الكلم الإهمال والإعجام ، وهو أن يكون الكلام من المنثور والمنظوم معقودا من جزءين إحدى كلمتي العقد منقوطة كلها ، والأخرى مهملة كلها ، واستعارة هذا اللقب من قولهم فرس أخيف إذا كان إحدى عينيه سوداء والأخرى زرقاء ، فأما مثاله من النظم ما قاله في الحريريات :
اسمح فبثّ السماح زين * ولا تخب آملا تضيّف
فأنت إذا اعتبرت ما ذكرناه وجدته مطابقا لكلمات هذا البيت ، ألا ترى أن قوله « اسمح » لا ينقط شيء من حروفه بحال ، بل هي مهملة ، وقوله « فبث » منقوطة كلها ، وهكذا القول في سائر كلمات البيت ، وأما مثاله من النثر فكقوله أيضا : الكرم ثبّت الله جيش سعودك يزين ، واللّؤم غضّ الدهر جفن حسودك يشين ، والأروع يثيب ، والمعور يخيب ، والحلاحل يضيف ، والماحل يخيف ، إلى آخر كلامه في هذه الرسالة ، فتعتبرها على ما ذكرناه من هذا الاعتبار فتجدها كذلك ، فهذه رسالة سبكها على هذا السبك ، وألفها على هذا الانتظام في السّلك ، ومما يجيء على أثره ويسبك من خلاصة جوهره نوع آخر من هذه الرسائل يلقّب بالرّقطاء ، وهي مخالفة لما ذكره في الخيف ، لكنها تختص بها نوعا من الاختصاص ، وهي أن تكون الكلمة الواحدة أحد حروفها منقوط ، والآخر مهمل لا نقط فيه ، واشتقاقه من قولهم شاة رقطاء ، وهي التي في جلدها نقط من سواد وبياض ، وليس وراء هذا شيء ، خلا ما ذكرناه من الأحكام في البلاغة ، وعلو مراتب الفصاحة وسلاطة اللسان ، وجودة القريحة ، وصفاء الذهن إلى غير ذلك من المواد التي يجعلها الله في بعض الأشخاص دون بعض ، فأما مثاله من النثر فكقوله في الحريريات أخلاق سيدنا تحب ، وبعقوته تلبّ ، فالهمزة مهملة ، والخاء منقوطة ، واللام مهملة ، والقاف منقوطة وهكذا قوله سيدنا على هذه العدة من غير تفاوت ، ثم قال وقربه تحف ، ونأيه تلف ، وأما