الصنف الحادي والثلاثون الحذف
وهو في أصل اللغة الرّجم بالشئ ، يقال حذفه بالعصا إذا رجمه بها ، وفي الحديث : أتى إليه ببيضة من ذهب فحذفه بها ، فلو أصابته لعقرته ، وفي حديث عمر إيّاى وأن يحذف أحدكم الأرنب ، أي يزرقها بالمعراض ، نهى المحرم عن ذلك ، وهو في مصطلح علماء البيان عبارة عن التجنب لبعض حروف المعجم عن إيراده في الكلام ، كما روى عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه : أنه حكى بمجلسه كثرة دوران الألف في الكلام وأنه لا يخلو كلام عنها ، فأنشأ في ذلك خطبة سماها المونقة ليس فيها ألف ، وكما يحكى عن واصل بن عطاء : أنه كان يتجنب في كلامه لفظة الراء لما كان يلثغ فيها ويخرجها عن غير مخرجها ، وأنشد الزمخشري رحمه الله في هذا المعنى :
ولا تجعلني مثل همزة واصل * فيسقطنى حذف ولا راء واصل
ويحكى أن رجلا أراد امتحانه فقال قل : رجل ركب فرسه ، وجر رمحه ، فقال له : غلام اعتلى جواده ، وسحب ذابله ، فانظر إلى ما أتى به لقد جانب فيه الراء ، فكان أبلغ وأفصح مما سئل عنه ، وإنما عددناه في علم البديع لأن ما هذا حاله إنما يصار إليه عند الاقتدار على البلاغة والإغراق في الفصاحة بحيث يمكنه الخوض في كل أسلوب من أساليبها ، والجرى في ميدان أعاجيبها ، وكما فعل الحريري فيما أورده في مقاماته من تجنب النقط في خطبته التي مطلعها الحمد لله الممدوح الأسماء المحمود الآلاء الواسع العطاء ، وفي خطبته الثانية التي مبدؤها قوله : الحمد لله الملك المحمود ، المالك الودود ، مصور كل مولود ، ومآل كل مطرود ، إلى آخرها فكل واحدة من الكلم في هاتين الخطبتين لا نقط فيها بحال أصلا عند الكتاب ، ومن أمثلة المنظوم ما قاله بعض الشعراء :
دار لمهدد دارس أعلامها * طمس المعالم مورها ورهامها
ومن ذلك ما أورده في الحريريات :
أعدد لحسّادك حدّ السّلاح * وأورد الآمل ورد السّماح
فهذان البيتان لا نقط في شيء من ألفاظهما كما ترى ، والحروف المهملة التي لا نقط لها يجمعها قولنا : كما صل أو حطّ له درسع ، وجملتها خمسة عشر حرفا كما ترى ، وأما الحروف المعجمة بالنقط فيجمعها قولنا . بزنديق في جثّ خشّ غظ ، فجملتها أربعة عشر حرفا ، فكملت حروف العربية ما ينقط منها ومالا ينقط على هذا التقدير والله أعلم بالصواب .