الصنف الثامن والعشرون في التسجيل
وهو « تفعيل » من قولهم سجّل الحاكم عليه تسجيلا ، إذا كتب كتاب الحكم وأمضاه ، وأسجل الكلام إسجالا إذا أطال ذيوله ، والسّجيل الطويل من الضروع قاله الجوهري ، فهو مؤذن بالطويل في كل ما سيق منه كما ترى ، هذا في اللغة ، وأما معناه في مصطلح علماء البلاغة فهو تطويل الكلام والمبالغة فيما سيق من أجله من مدح أو ذم ، وهو نوع من الإطناب ، خلا أن الإطناب عام في كل مقصود من الكلام ، والتسجيل خاص في المبالغة في المدح أو الذم ، والمثال فيه قوله تعالى في ذم عبادة الأوثان والأصنام وتهجين من عبد سواه ، فإنه سجل عليهم غاية التسجيل ، ونعى إليهم أفعالهم ، ووبخهم وسفه حلومهم ، واسترك عقولهم على جهة التسجيل والتنويه بما عملوا :
يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ ( 73 )
[ الحج : 73 ] فانظر ما ذا حازته هذه الآية من الإبانة عن نقص عقولهم ، وقوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ فَادْعُوهُمْ
[ الأعراف : 194 ] الآية وقوله تعالى :
وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ ما يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ ( 13 )
[ فاطر : 13 ] الآية إلى غير ذلك من الآيات الدالة على تسفيه عقولهم وإظهار جهلهم ، ومن ذلك ما ورد في ذم الكفار من أهل الكتاب والمشركين في صدر سورة البقرة فإن الله تعالى نعى عليهم تلك الأفعال الخبيثة وسجّلها عليهم ، وذكر ما أكنّته صدورهم وأضمرته نفوسهم من الغدر برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم والإصرار على الكفر ، والتمادي في النفاق ، والإعراض عما جاء به من النور المبين والصراط المستقيم ، وتصميمهم على جحود ذلك وإنكاره ، ومن ذلك ما كان من بني إسرائيل من كتمان ما أنزل الله عليهم في التوراة في وصف رسول الله وتصديق ما جاء به ، ونصب العداوة والمكر والخديعة ، فأظهر الله ما كتموه من العداوة ، وكشف ما أضمروه من الحسد