تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز — صفحة 192

مساهمون:

ص١٩٢

النظر الرابع من علوم البيان في ذكر التمثيل

اعلم أن التمثيل نوع من أنواع البيان . وهو مخالف للتشبيه ، فإن التشبيه إنما يكون في المظهر الأداة ، وهذا نوع من الاستعارة ، وهو معدود من أنواع المجاز ، وإنما قلنا إنه من الاستعارة من جهة أن الاستعارة حاصلة فيه ، وإنما تقع التفرقة من جهة أن الوجه الجامع ، إن كان منتزعا من عدة أمور فهو التمثيل ، وإن كان مأخوذا من أمر واحد فهو الاستعارة ، ثم إنه قد يتفاوت في الحسن ، لأنه يستعمل على وجهين : أحدهما أن لا يظهر وجه التشبيه في الاستعارة ، بل يكون تقدير التشبيه فيها عسرا صعبا ، فما هذا حاله يعد من أحسن الاستعارة وهذا كقوله تعالى :
فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ
[ النحل : 112 ] وقوله تعالى :
وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ
[ الإسراء : 24 ] فما هذا حاله استعارة لا يظهر فيها وجه التشبيه ، فلو أردت التكلّف في إظهار وجه المشابهة لخرج الكلام عن حد البلاغة ، وكلما ازدادت الاستعارة خفاء ازدادت حسنا ورونقا ، وهذا هو مجراها الواسع المطّرد ، وثانيهما أن يكون هناك مشبه ومشبه به من غير ذكر أداة التشبيه ، فما هذا حاله من الاستعارة دون الأول في الحسن ، والتمثيل في القرآن كقوله تعالى :
صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ ( 18 )
[ البقرة : 18 ] فالآية إنما جاءت مسوقة على أن حال هؤلاء الكفار قد بلغوا في الجهل المفرط والعمى المستحكم في الإصرار والجحود على ما هم عليه من الكفر والعناد ، بمنزلة من هو أصم أبكم أعمى ، فلا يهتدى إلى الحق ولا يرعوى عما هو عليه من الباطل ، ومنه قوله تعالى :
أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً
[ الجاثية : 23 ] فحاصل الأمر أن كل من انقاد لهواه ، وأعرض عن حكم عقله في كل أحواله ، وصار العقل منقادا في حكمة الذل موطوءا بقدم الهوى ، فإنه ينزل فيما هو فيه منزلة من ختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة ، فهو معرض عما يأتيه من الحق صادف عنه وهكذا قوله تعالى :
خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى