تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز — صفحة 190

مساهمون:

ص١٩٠
الفعل إلى كبيرهم فذلك مستحيل لكونه جمادا ، ولكنه أراد التسفيه لحلومهم ، والاستضعاف لعقولهم ، كأنه قال : يا جهال البرية ، كيف تعبدون ما لا يسمع ولا يعقل ولا يجيب سؤالا ولا يحير جوابا ، وتجعلونه شريكا لخالق السماء والأرض في العبادة ، فإن كان كما تزعمون فهو إنما فعله كبيرهم فاسألوهم إن كانوا ينطقون ، ومن ذلك قوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ ( 73 ) ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ
[ الحج : 73 - 74 ] فهذه الآية إنما وردت على جهة التعريض بحال الكفار من عبدة الأوثان والأصنام ، وأن من هذا حاله في الضعف والهوان والعجز كيف يستحق أن يكون معبودا ، وأن توجه إليه العبادة ، وهو لا يستنقذ شيئا من أضعف الحيوانات ، ولا يقدر على دفعه لو أراد به سوءا ، فهذه في دلالتها على ما تدل عليه لم تبق عليهم في النعي شيئا ، ولا تركت عليهم بقية في نقص عقولهم ، والازدراء بأحلامهم ، والتسفيه لما هم عليه من ذلك ، فصدر الآية بما هو المقصود على جهة التأكيد بقوله :
إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ
[ الأعراف : 194 ] ولم يقل إن هذه الأوثان ، تقريرا بالصلة والموصول لما هم عليه من اتخاذهم شركاء ، واسم الأوثان والأصنام لا يؤدى هذا المعنى ، ثم عقبها بالنفي على جهة التأكيد بلن في المستقبل بقوله :
لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً
دلالة على العجز وإظهارا في أن من هذا حاله فلا يستحق أن يكون معبودا ، ولا يستأهل الشركة في الإلهية ، ثم بالغ في استحالة الخلق منهم للذباب بقوله تعالى :
وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ
لأن بالاجتماع تكون المظاهرة حاصلة ، فإذا كان الإياس من خلقه مع الاجتماع ، فهو مع الانفراد أحق لا محالة ، ثم أكد ذلك بقوله :
وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ
يشير بذلك إلى أنهم عاجزون عن خلق الذباب وتدبيره نهاية العجز ، ويدل على ذلك أنهم لو أخذ منهم الذباب شيئا على جهة السلب والاستيلاء ما قدروا على أخذه والانتصار منه ، وهذا هو النهاية في تقاصر الهمم وحقارتها وأنهم في الحقيقة جامعون بين خصلتين ، كل واحدة منهما كافية في العجز ، فضلا عن اجتماعهما ، إحداهما عدم القدرة على خلق الذباب ، والثانية عدم الانتصار منه إذا رام أخذ شيء منهم ، وخلاصة هذا الكلام وغايته ، أنه يستحيل عليهم بإدخال النقص في حلومهم وضلالهم عن الحق فيما جاءوا من عبادة هذه الأصنام ، أن أذل المخلوقات وأحقرها وأضعفها حالة ، وأصغرها حجما ، يقهرها ويسلبها ويأخذ
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز — صفحة 190 | يحيي بن حمزة العلوي اليمني / عبد الحميد هنداوي