القسم الثالث من علوم البلاغة علم البديع
اعلم أن هذا الفن من التصرف في الكلام مختص بأنواع التركيب ، ولا يكون واقعا في المفردات ، وهو خلاصة علمي المعاني والبيان ومصاص سكّرهما ، وقد قررنا فيما سبق ماهية الفصاحة والبلاغة . فأغنى عن ذكرهما .
وعلم البديع هو تابع للفصاحة والبلاغة ، فإذن هو صفو الصفو وخلاص الخلاص ، وبيان ذلك هو أن العلوم الأدبية بالإضافة إلى حاجته إليها وترتّبه عليها على خمس مرات ، كل واحدة منها أخص من الأخرى ، وهو الغاية التي تنتهى إليه كلها إذ « ليس وراء عبّادان قرية » .
المرتبة الأولى علم اللغة
وهو علم الألفاظ المجردة الموضوعة للدلالة على معانيها المفردة كالإنسان ، والفرس ، والجدار ، وغير ذلك ، فإنه لا يستفاد منه إلا ما ذكرناه من المعاني المفردة من غير زيادة عليه .
المرتبة الثانية علم التصريف
وهو علم جليل القدر من علوم الأدب متعلّقه العلم بتصحيح الألفاظ ، وهو أخص من علم اللغة ، لأن متعلقه ليس إلا سلامة الألفاظ ومعرفة أصليّها من زائدها وصحيحها من عليلها ، وإجراء إعلالها على القوانين المألوفة .
المرتبة الثالثة علم الإعراب
وهو أخص مما سبقه ، لأن ما سبقه من علم اللغة والتصريف ، يختصان بالأمور المفردة ، وهذا مختص بالكلم المركبة ، لأن الإعراب لا يستحق إلا بعد العقد والتركيب ، فمن أجل ذلك كان أخص حكما فيهما لما ذكرناه ، ومحصوله فائدة التركيب وهو إفادة الكلام .
المرتبة الرابعة علم المعاني
وهو أخص من علم الإعراب من جهة أن علم الإعراب تحصل فائدته بمطلق التركيب ، وعلم المعاني له فائدة وراء ما ذكرناه من التركيب ، وهو ما يتعلق بالأمور الخبرية ، من تعريفها ، وتنكيرها ، وتقديمها ، وتأخيرها ، وفصلها ، ووصلها ، وبالأمور الطلبية الإنشائية ، كالأوامر ، والنواهي ، والتمني ، والترجى ، والدعاء ، والنداء ، والعرض ، فانظر فيها أخص من النظر في علم الإعراب كما ترى .