تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز — صفحة 195

مساهمون:

ص١٩٥

المرتبة الخامسة علم البيان

وهو أخص من علم المعاني ، لأن حاصل دلالته على ما يدل عليه ، ليس من جهة الإنشاء ، ولا من جهة الخبر ، ولكن من دلالة أخص من ذلك ، وهي دلالة اللفظ على معناه ، إما بحقيقته ، بتشبيه ، أو غير تشبيه ، وإما من جهة مجازه ، إما بطريق الاستعارة ، أو بطريق الكناية ، أو بطريقة التمثيل كما مر تقريره ، وهي التي تكسب الكلام الذوق والحلاوة ، والرونق والطلاوة ، في البلاغة والفصاحة ، فإذا تمهدت هذه القاعدة ، فاعلم أن علم البديع حاصله معرفة مقصود بلاغة الكلام وفصاحته ، وهذا لا يحصل بتمامه وكماله إلا بإحراز ما سلف من العلوم الأدبية ، فهو خلاصتها وصفوها ونقاوتها ، وهي وصلة إليه ، وأنا الآن أعلو ذروة لا ينال حضيضها في ضرب مثال لهذه العلوم من الأمثلة الحسنة ، يظهر به جوهرها ويروق حسنها ، فأقول هذه العلوم الأدبية بمنزلة عقد نفيس مؤلف من الدرر واللآلئ سالمة جواهره من الصدع والانشقاق ، مؤلف تأليفا بديعا ، فتارة يجعل طوقا في العنق ، وتارة إكليلا على الجبين ، وتارة يكون وشاحا على الخصر ، موضوعا على شكل يتلاءم تأليفه ، فالكلم اللغوية المفردة بمنزلة اللآلئ والدّرر المبددة ، وعلم التصريف هو سلامته عن الشقوق والانصداع ، وتأليفها هو بمنزلة علم الإعراب ، فإذا جعلت طوقا ، أو إكليلا ، أو قرطا ورعاثا ، فهو بمنزلة علم المعاني ، فإذا جعل الإكليل على الجبين ، وجعل الطوق في العنق ، والقرط في الأذن ، فهو بمنزلة علم البيان ، فإذا جعل الإكليل على الجبين مطولا بطوله ، والطوق على تدوير العنق ، وجعلت على المساحة اللائقة بلبسها ، كانت بمنزلة علم البديع ، ألا ترى أنه لو وضع الإكليل معترضا على الخد ، لم يكن ملائما لحقيقة تأليفه ، فكل واحد من هذه العلوم على محلّ ومنزلة في الحاجة منها ، كما فصلته لك كما أن كل واحدة من هذه المزايا في العقد على حظّ ومرتبة فيه ، بحيث لو أخلّ بها ، فات الغرض المقصود به ، فهذا هو المثال الكاشف عن حال هذا العلم بالإضافة إلى العلوم الأدبية ، وهو مطابق لما ذكرت من العقد المؤلف على الحد الذي قررته ، فليكن من الناظر تأمّله بعين الإنصاف ، فإذا عرفت هذا فلنذكر علم البديع وأسراره ، وهي منقسمة إلى ما يكون متعلقا بالفصاحة اللفظية ، وإلى ما يكون متعلقا بالفصاحة المعنوية ، فهذان طرفان نذكر ما يتعلق بكل واحد منهما من الأمثلة والله تعالى الموفق للصواب .
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز — صفحة 195 | يحيي بن حمزة العلوي اليمني / عبد الحميد هنداوي