النظر الثالث من علوم البيان في أسرار الكناية
اعلم أن الكناية في لسان علماء البيان ما عوّل عليه الشيخ عبد القاهر الجرجاني ، وحاصل ما قاله هو أن يريد المتكلم إثبات معنى من المعاني ، فلا يذكر باللفظ الموضوع له بل يأتي بتاليه ، فيومئ به إليه ويجعله دليلا عليه ، وتلخيص ما قاله هو اللفظ الدال على ما أريد به بالحقيقة والمجاز جميعا ، ومثاله قولهم : فلان كثير رماد القدر ، فإن هذا الكلام عند إطلاقه قد دل على حقيقته ومجازه معا ، فإنه دال على كثرة الرماد ، وهو حقيقته ، وقد دل على كثرة الضّيفان ، وهذا مجازه ، وهذا يخالف الاستعارة ، فإنك إذا قلت : جاءني الأسد ، وأنت تريد الإنسان ، فإنه دال على المجاز لا غير ، والحقيقة متروكة ، وهذه هي التفرقة بين الكناية والاستعارة ، والتفرقة بين التعريض والكناية ، هو أن الكناية دالة على ما تدل عليه بجهة الحقيقة والمجاز جميعا ، بخلاف التعريض ، فإنه غير دالّ على ما يدل عليه حقيقة ولا مجازا ، وإنما يدل عليه بالقرينة ، فافترقا ، وأمثلة الكناية كثيرة في كتاب الله تعالى ولكنا نقتصر منها على قوله تعالى :
وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَ يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ
[ الحجرات : 12 ] فهذه الآية الكريمة قد اشتملت على أسرار في الكناية قد أشرنا إليها ورمزنا إلى مقاصدها في قاعدة الكناية من الكتاب ، ومن ذلك قوله تعالى :
كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ
[ المائدة : 75 ] فهو دال على ما وضع له في أصله من إفادته لحقيقة الأكل ، ولكنه مقصود به قضاء الحاجة ، وهو مجاز في حقه ، فلهذا قلنا بأن الكناية دالة على حقيقة الكلام ومجازه ، ومن ذلك قوله تعالى :
وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيارَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ وَأَرْضاً لَمْ تَطَؤُها
[ الأحزاب : 27 ] فقوله :
وَأَرْضاً لَمْ تَطَؤُها
كما يحتمل الحقيقة وهي الأرض المنبتة فهو يحتمل أن يراد به المجاز ، وهو الفروج التي ملكهم إيّاها بالاسترقاق ، فلهذا أحل الوطء ، ويصدق هذه الكناية قوله تعالى :
نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ
[ البقرة : 223 ] فأما التعريض فهو كما أشرنا إليه دال بالقرينة وليس دالا على حقيقة ولا مجاز ، وهذا كقوله تعالى في قصة إبراهيم عليه السلام :
قالُوا أَ أَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ ( 62 ) قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ ( 63 )
[ الأنبياء : 62 - 63 ] فهذه الآية إنما وردت كناية وتعريضا بحالهم ، وتهكما واستهزاء بعقولهم ، ولم يرد إسناد