تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز — صفحة 188

مساهمون:

ص١٨٨
إثبات الصفات المحسوسة للأمور المعقولة على جهة الاستعارة ، وبيانه هو أن القذف والدمغ من صفات الأجسام ، يقال دمغه إذا هاض قحف رأسه ، وقذفه بالحجر ، إذا رماه به ، وقد استعير هاهنا للحق والباطل ، والجامع بينهما هو الإعدام والذهاب ، ومن هذا قوله تعالى :
فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ
[ الحجر : 94 ] والصدع من صفات الأجسام ، يقال انصدع الإبريق والقارورة ، وقد استعير هاهنا لوضوح أمر الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم فيما جاء به من الحق وإظهار النبوة ، والجامع بينهما هو التفرقة بين الحق والباطل وإزالة التباس أحدهما بالآخر ، ومن هذا قوله تعالى :
وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ
[ البقرة : 214 ] فالزلزلة حقيقتها هي الاضطراب في الأجسام ، وقد استعيرت هاهنا للفشل والاضطراب في الأحوال ، والجامع بينهما هو تغير الأحوال ، وهكذا قوله تعالى :
فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ
[ آل عمران : 187 ] فحقيقة النبذ إنما يكون مستعملا في طرح الشئ من أعلى إلى أسفل ، ثم استعمل مجازا على جهة الاستعارة في إلقاء ما حملوه من التكاليف عن أنفسهم بترك الامتثال ، والجامع بينهما هو الإعراض عما ألزموا به من تلك الأمور كلها ، إلى غير ذلك من الاستعارات الرائقة من محسوس بمعقول .

الضرب الرابع استعارة المعقول للمحسوس

ومثاله قوله تعالى :
إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ ( 11 )
[ الحاقة : 11 ] فالطغيان هو التكبر والاستعلاء بغير حق وهما أمران معقولان ، ثم استعير الطغيان للماء ، وهو محسوس ، والجامع بينهما هو الخروج عن الحد في الاستعلاء على جهة الإضرار ، ومن هذا قوله تعالى
بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ ( 6 )
[ الحاقة : 6 ] فالعتو هو التكبر ، وهو من الأمور المعقولة ، استعير هاهنا للريح ، وهي محسوسة ، والجامع بينهما هو الإضرار الخارج عن حد العادة ، ولنقتصر على هذا القدر من لطيف الاستعارة ففيه كفاية لما أردناه هاهنا .