تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز — صفحة 187

مساهمون:

ص١٨٧
وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ
[ الإسراء : 24 ] فالمستعار منه هو الطائر ، والمستعار له هو الولد ، والجامع بينهما هو لين العريكة وانحطاط الجانب ، وهو معقول غير محسوس ، ومن هذا قوله تعالى :
إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ ( 42 )
[ الذاريات : 42 ] والرميم هو العظم البالي ، استعير للإهلاك ، والأمثلة في التنزيل أكثر من أن تحصى بجانب الاستعارة .

الضرب الثاني استعارة معقول من معقول بواسطة أمر معقول

وهذا كقوله تعالى :
مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا
[ يس : 52 ] فالمستعار هو الرقاد ، والمستعار له هو الموت ، والجامع بينهما هو سكون الأطراف وبطلان الحركة ، وهكذا قوله تعالى :
وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ
[ الأعراف : 154 ] فوصف الغضب بالسكوت على جهة الاستعارة ، فالمستعار هو السكوت ، والمستعار له هو الغضب ، والجامع بينهما هو زوال الغضب ، كما أن السكوت زوال الكلام ، وهذه كلها أمور عقلية ، ومن هذا قوله تعالى :
تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ
[ الملك : 8 ] فالتّميز هاهنا هو شدة الغضب ، فالمستعار منه هو حالة الإنسان عند غضبه ، استعيرت للنار عند شدة تلهبها ، والجامع بينهما هو الحالة المتوهّمة عند شدة الغيظ ، فهي مستعارة للنار ، اللهم أجرنا منها برحمتك الواسعة . ومن هذا قوله تعالى :
وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً ( 23 )
[ الفرقان : 23 ] ففيه استعارتان ، الأولى فيهما قوله تعالى :
وَقَدِمْنا
فإنما يستعمل في حق الغائب ، فاستعير لعرض أعمال الكفار على الله تعالى ، والجامع بينهما أمر معقول ، وهو تصييرها إلى البطلان والتلاشى ، والثانية قوله تعالى :
فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً ( 23 )
والهباء حقيقته ، الغبار الثائر من الأرض عند دخول الشمس من الكوة ، وهو مستعار للأعمال الباطلة ، والجامع بينهما هو التلاشى والبطلان ، وهذان المثالان حسيان ، لكنا إنما أوردناهما في هذا الضرب وإن كان استعارة المعقول من المعقول ، لما كان الجامع بينهما أمرا معقولا كما ترى .

الضرب الثالث استعارة المحسوس للمعقول

ومثاله قوله تعالى :
بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ
[ الأنبياء : 18 ] والغرض من هذا