تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز — صفحة 186

مساهمون:

ص١٨٦
لقلّته وغرابته ، وهو موجود في الشعر على جهة الندرة ، فقد حصل لك مما ذكرنا أن التشبيهات الواردة في القرآن جامعة للأوصاف التامة المعتبرة في البلاغة ليس فيها غرابة ولا بعد عن المألوف ، والله أعلم بالصواب .

النظر الثاني من علوم البيان في الاستعارة

اعلم أن الاستعارة من أشرف ما يعد في القواعد المجازية ، وأرسخها عرقا فيه ، ولا خلاف بين علماء البيان في كونها معدودة من المعاني المجازية ، وإنما الخلاف إنما وقع في قاعدة التشبيه ، هل يعد من المجاز أولا ، وفيه خلاف قد شرحناه ، وأظهرنا وجه الحق في ذلك ، فأغنى عن تكريره ، وقد أشرنا إلى بدائع أسراره من قبل ، والذي نذكر هاهنا هو كيفية وقوعها في التنزيل ، وهي واقعة على أضرب أربعة .

الضرب الأول منها استعارة المحسوس للمحسوس

وهذا كقوله تعالى :
وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً
فالمستعار هو النار ، والمستعار له ، هو الشيب بواسطة الانبساط والإسراع فالطرفان محسوسان كما ترى ، والجامع بينهما محسوس ، ولكنه في النار أظهر ، ويلحق بهذا الضرب قوله تعالى :
إِذْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ ( 41 )
[ الذاريات : 41 ] فالمستعار له هو الريح ، والمستعار منه هو المرأة ، والجامع بينهما عدم الإنتاج وظهور الأثر ، فالطرفان هاهنا حسيان ، لكن الجامع بينهما أمر عقلي ، بخلاف الأولى ، فإن الجامع أمر حسى كما أوضحناه ، ومن هذا قوله تعالى :
وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ
[ يس : 37 ] فالمستعار له هو ظهور النهار من الليل وظلمته ، والمستعار منه هو ظهور المسلوخ من جلده ، فالطرفان حسيان كما ترى ، والجامع بينهما ما يعقل من ترتيب أحدهما على الآخر ، ومنه قوله تعالى :
فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ
[ يونس : 24 ] فالمستعار له هو الأرض المتزخرفة المتزينة بالنبات ، والمستعار منه هو نباتها ، وهما حسيان ، والجامع بينهما الهلاك ، وهو أمر معقول غير محسوس ، ومن هذا قوله تعالى :
حَتَّى جَعَلْناهُمْ حَصِيداً خامِدِينَ ( 15 )
[ الأنبياء : 15 ] فأصل الخمود للنار ، فالمستعار منه هو للنار ، والمستعار له هو القوم المهلكون ، والجامع بينهما هو الهلاك ، ونحو قوله تعالى :