تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز — صفحة 185

مساهمون:

ص١٨٥
كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ
[ النور : 40 ] فشبه حال الكفرة فيما هم فيه من الكفر والجحود والإصرار والتمادي على الباطل ، بظلمات بعضها فوق بعض فلا يدرك لها حالة في النور ولا يهتدى إليه .

الطرف الرابع في حكم التشبيه

وربما كان قريبا ، وربما كان بعيدا ، وتارة يكون واضحا ، ومرة يكون خفيا ، وربما كان غريبا وحشيا ، وربما كان مألوفا ، وقد قررنا أمثلة البعيد والقريب ، والواضح الجلى ، في قاعدة التشبيه في صدر هذا الكتاب فأغنى عن تكريره ، واعلم أن جميع التشبيهات الواردة في كتاب الله تعالى خالية عن هذه الشوائب كلها ، أعنى الغرابة والبعد في مفرداتها ومركباتها لا يعترضها شيء من هذه العوارض في التشبيهات الواردة في غيرها ، والحمد لله . فأما المفردة فهي كل ما كان التشبيه فيها حاصلا باعتبار صورة بصورة ، أو معنى بمعنى من غير زيادة ، وهذا كقوله تعالى :
فَكانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهانِ ( 37 )
[ الرحمن : 37 ] فشبه السماء يوم القيمة بالدهان ، وهو الجلد الأحمر ونحو قوله تعالى :
فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ
[ النمل : 10 ] فشبه العصا بالجان لا غير ، من غير زيادة وهي كثيرة في القرآن ، أعنى التشبيهات المفردة ، وهي في ورودها على جهة القرب في تشبيهها غير بعيدة ومألوفة غير مستنكرة ، قد حازت من اللطافة والرقة ما لا يخفى حاله على ناظر ، ومثال البعيد تشبيه الفحم إذا كان فيه جمر ، ببحر من مسك موجه ذهب ، ونحو تشبيه الدم بنهر من ياقوت ، فما هذا حاله يصعب وجوده إلا على جهة التصور ، ومثال الخفي تشبيه الأمور المحسوسة بالمعاني ، كما شبّهت النجوم في الظلام بالسنن خالطتهن البدعة ، فما هذا حاله من التشبيهات خال عن تشبيهات القرآن العظيم وبمعزل عنها كما قلناه . « وأما » المركبة فكقوله تعالى :
وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ
[ إبراهيم : 26 ] وقوله تعالى :
وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ
[ البقرة : 171 ] وقوله تعالى :
مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً
[ الجمعة : 5 ] وحاصل المركبة أنها في مقصود التشبيه ، تشبيه أمرين بأمرين ، أو أكثر ، إلى غير ذلك من التركيبات ، ومن تشبيه المفرد بالمركب قوله تعالى :
مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ
[ النور : 35 ] فشبه النور المفرد بالمشكاة المركبة من هذه الأجزاء والأوصاف ، فأما تشبيه المركب بالمفرد فلم أجد في القرآن مثالا له ، وما ذاك إلا