تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز — صفحة 184

مساهمون:

ص١٨٤
السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ
[ البقرة : 19 ] فالغرض مما ذكره من التشبيه ، هو تشبيه حال الكفار فيما هم فيه من الكفر ، والتمادي على الجحود ، والإصرار ، بمن أصابته هذه الأمور الهائلة ، فهو على قلق وخوف وإشفاق على نفسه مع الغم والألم مما يلاقى من هذه الأشياء النازلة به ، فهكذا حال الكفار فيما وقعوا فيه من ظلم الكفر وحيرته ، لا يأمنون مما يقع عليهم من الحوائج العظيمة ، والإيلامات المهلكة ، فهكذا ترى جميع التشبيهات الواقعة في التنزيل ، فإن لها مقاصد عظيمة ، ومضمّنة لأغراض دقيقة يعقلها من ظفر في هذه الصناعة بأوفر حظ وكان له فيها أدنى ذوق ، وحام حول تلك الدقائق بذهن صاف عن كدور البلادة ، فعن قريب يحصل على البغية بلطف الله تعالى وحسن توفيقه .

الطرف الثالث في كيفية التشبيه

وهو في وروده يكون على أوجه أربعة ، أولها أن يكونا - أعنى المشبه والمشبه به جميعا - مدركين بالحسّ ، وهذا نحو تشبيه الخدّ بالورد ، والشعر الفاحم بالليل ، ومن هذا قوله تعالى :
كَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ وَالْمَرْجانُ ( 58 )
[ الرحمن : 58 ] وقوله تعالى :
كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ ( 49 )
[ الصافات : 49 ] . وغير ذلك مما يكون طريقه الحس والمشاهدة ، وهو أجلى ما يكون من التشبيهات ، لقوته وظهور طريقه ، وثانيها أن يكونا جميعا عقليين من غير إحساس ، كالعلم بالحياة ، فيشبه العلم بالحياة لما فيه من النفع في الآخرة ، ويشبه الجهل بالموت ، لما فيه من خمول الذكر ، وقد أشار الله تعالى إلى هذا بقوله :
أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها
[ الأنعام : 122 ] فالإحياء ، والإماتة ، هنا مجاز في العلم والجهل ، وأن المقصود من الآية ، تفاوت ما بين الحالتين ، بين من أحياه الله تعالى بالعلم ، وبين من أماته الله تعالى بالجهل ، كما أن من كان في الظلمة ليس حاله كحال من هو في النور ، يتصرف ويتقلب ، وثالثها أن يكون أحدهما حسيا ، والآخر عقليا ، كالمنيّة بالسّبع ، فالمنية هاهنا هي المشبهة وهي عقلية ، بالسّبع ، وهو حسى ، قال :
وإذا المنيّة أنشبت أظفارها * ألفيت كلّ تميمة لا تنفع « 1 »
ورابعها أن يكون المشبه حسيّا والمشبه به عقليا كالعطر بخلق الكريم ومنه قوله تعالى :
أَوْ
هامش
( 1 ) البيت لأبى ذؤيب الهذلي ، وانظر الإيضاح ص 277 .