العادة هو تشبيه بياض الوجه بغرة الفجر ، فأما هاهنا فعلى العكس من ذلك ، وقد يرد لأغراض كثيرة ، أولها التقرير والتمكين في النفس ، كمن يراه يسعى في أمر لا طائل فيه ولا ثمرة له ، فيقال له : ما سعيك في هذا الأمر إلا كمن يرقم على الماء ويخطّ على الهواء ، فيترك الأمر لعدم فائدته وبطلان جدواه ، وثانيها أن يكون المقصود بيان جنس المشبه ، إما في علو نفسه ، كتشبيه بعض الأشخاص بالملائكة ، لطهارة نفسه وعفة أثوابه قال :
فلست لإنسىّ ولكن لملأك * تنزّل من جوّ السماء يصوب « 1 »
وإما في نزول همته ، كتشبيه بعض الأشخاص بالسباع ، كما شبه الله المنافقين في ذهابهم عن الدين ، وضعف أفهامهم عن قبول الحق بقوله :
كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ ( 50 ) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ ( 51 )
[ المدثر : 50 - 51 ] فمثل حالهم في نفارهم عن الحق وبعدهم عن قبوله ، كمثل حمير الوحش عند نفارها ودهشها وقلقها ، برؤية بعض الآساد ، فما تتمالك في الهرب ، ولا ترعوى عند رؤيته ، وتركب الصعب والذّلول ، وهكذا حال اليهود ، فإنه تعالى مثلهم فيما حملوا من أحكام التوراة ثم أعرضوا عنها وتركوها وراء ظهورهم ، بحمار يحمل كتبا كثيرة فوق ظهره ، لا يدرى ما اشتملت عليه من أنواع الهداية ، فهكذا حال اليهود يتلون التوراة وهم أبعد الناس عن العمل بها ، وعن المواظبة على ما تضمنته من الأوامر والنواهي ، وثالثها ضعف الإيمان ورقته وتلاشى أمره ، وعدم الثبوت عليه ، وأنه يضمحل عن القلوب بأدنى شيء ، كما ضربه الله مثلا لمن هذه حاله في ضعف إيمانه ، وأنه على غير قرار من أمره فيه ، وأنه على شرف الانقلاب إلى الكفر ، بغزل العنكبوت وبيتها ، فإنه من أضعف الأشياء قواما ، وأرقها حالة ، يتغير بقوة الريح ، فضلا عما وراء ذلك من الأمور الصلبة التي تقاربه ، فهكذا حال من لا وثاقة له في الدين ، فإنه عن قريب ينكص على عقبيه ، ورابعها التلاشى في البطلان ، كما قال الله تعالى :
فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا
[ البقرة : 264 ] وضربه الله تعالى مثلا لبطلان أعمال الكفرة وأنه لا فائدة فيما عملوه ولا جدوى له ، بالتراب الدقيق الواقع على حجر صلد أملس ، فيصيبه المطر ، فإنه أسرع شيء في الذهاب ، وأبطل ما يكون عند وقوع الماء عليه ، فهكذا حال الكفر ، فإنه إذا صادف الأعمال من غير قرار على الإيمان ، فإنه يبطلها ويذهبها لا محالة ، وخامسها قوله تعالى :
أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ
هامش
( 1 ) البيت لعلقمة الفحل في ديوانه ص 118 ، ولسان العرب 1 / 534 ( صوب ) والمنصف 2 / 102 .