المتكلم مراده لغرض من أغراض العقلاء ، فقد لاح بهذا أنّ وضعه ليس مخلّا بالحكمة ؛ بل الحكمة تقتضى وضعه ، فبطلت الملازمة .
ثم يقول : هذا كلّه بناء على أنّ الواضع « الله » تعالى ، وإن قلنا بمذهب البهشميّة « 1 » أنّ اللغات اصطلاحيّة ، فجاز أن يكون سبب الاشتراك واضعين مختلفين ، فلا وجه لهذه الحجة عوّلوا عليها أصلا .
واحتجّ القائلون بوجوبه عقلا بوجهين :
أحدهما : أنّ المعاني غير متناهية ، وهذا واضح ، فإنّ منها الأعداد وهي لا تصل إلى نهاية ، والألفاظ متناهية ؛ لأنّها مركّبة من الحروف المتناهية ، والمركّب من المتناهى متناه ، وحينئذ فإذا وزّعنا الألفاظ على المعاني فلا بدّ وأن يستوعبها ، وإلّا يلزم خلو بعض المعاني المقصودة عن الألفاظ ، ومتى كانت مستوعبة لها يلزم « الاشتراك » ؛ لأنّه لا بدّ حينئذ من لفظ واحد يدلّ على معان كثيرة « 2 » / وهو عين الاشتراك .
الثاني : أنّ الوجود يطلق على وجود الواجب « 3 » - سبحانه وتعالى - ووجود الممكن بطريق الحقيقة فيهما ، ووجود كل شيء عين ماهيّته كما ( تقرّر في علم الكلام ) « 4 » ، وهو مذهب شيخ الجماعة ، مقدّم الطائفة أبى الحسن الأشعري « 5 » ، والحذّاق من أصحابه ، آخرهم الشيخ ، الإمام ، الوالد - رحمه اللّه تعالى - كان
هامش
( 1 ) البهشميّة : يطلق هذا المصطلح على مذهبين مختلفين :
الأول : مذهب من مذاهب المعتزلة ، ينسب إلى أبى هاشم عبد السلام بن محمد ابن عبد الوهاب ، الجبّائى ، وفيه حاول التوفيق بين مذهب أبيه أبى على الذي كان يفرط في إنكار الصفات ، وبين آراء أهل السنة .
والثاني : مذهب من مذاهب الشيعة ، وهم أتباع أبى هاشم محمد ، ابن الحنفيّة ، راجع : فرق وطبقات المعتزلة 220 ، ومعجم الفرق والمذاهب الإسلامية 73 - 76 .
( 2 ) نص الإبهاج : « لزم الاشتراك لأنّه لا بد حينئذ من لفظ واحد بإزاء معان كثيرة » .
( 3 ) في الأصل : « على وجود واجب الوجود » ، والمثبت رواية الإبهاج .
( 4 ) ما بين القوسين زيادة من الإبهاج .
( 5 ) أبو الحسن ، علي بن إسماعيل بن إسحاق ، الإمام الأشعري ( 260 - 324 ه ) من أئمة المتكلمين ، المجتهدين ، ومؤسس مذهب الأشاعرة .
انظر : سير أعلام النبلاء 15 / 85 ، والعبر 2 / 23 ، والأعلام 4 / 263 ، ومعجم المؤلفين 7 / 35 .