والثاني : أنّه واجب عقلا . والثالث - وهو الصحيح ، وعليه الأكثرون - : أنّه جائز . والرابع - وانفرد به الإمام فخر الدين - رحمه اللّه تعالى - : أنّه جائز إلّا بين النقيضين فمحال ، قال : فالعقول تمنع من وضع لفظ للشيء ، ونقيضه ، قال : وقد ناقض نفسه في غير موضع ، والتفريع على قول الأكثرين ، وقد اختلفوا في وقوع المشترك - بعد اتفاقهم على جوازه - على مذاهب :
أحدها : أنّه واقع ، في اللغة مطلقا ، وهو قول الأكثرين .
والثاني : أنّه غير واقع .
والثالث : أنّه واقع ، في غير القرآن والحديث ، وهذا القول معزو إلى الظاهرية ؛ واختلف عليهم ، فمن قائل : إنّما منعوا وقوعه في القرآن فقط ، ومن قائل : منعوه في القرآن ، والحديث جميعا .
قال قاضى القضاة : ولم أجد - بعد البحث ، في كتبهم - ما يشهد لصحة واحد من القولين عنهم ، ولا عن داود - رحمه اللّه تعالى - ولا عن واحد من علماء مذهبه .
احتجّ الأوّلون بأنّ الواضع حكيم ، وإنّما وضع الألفاظ ليستدلّ بها على المعاني ، ويتبادر الذهن عند سماعها ، إلى المقصود منها ؛ والمشترك يردّد الذهن ، ويوقعه في حيرة ؛ فلا يضعه حكيم فإنّ وضعه مخلّ بالحكمة ، ثم يركّبون ملازمة ، هكذا ؛ يقولون : لو وضعه حكيم لما كان حكيما ؛ وذلك خلف باطل ، وبيان الملازمة ما ذكرناه من أنّ وضعه مخل بالحكمة ، لكنه حكيم بإجماع العقلاء / ولأنّه الغرض ، فانتفى اللازم ، وانتفاء اللازم دليل على انتفاء الملزوم ، ثمّ إذا أورد عليهم مثل : العين ، والقرء ، يقولون : ليس ذلك بمشترك ، بل إن كان بين المعنيين قدر مشترك ، فهو متواطئ ، وإلّا فهو حقيقة ومجاز ، فإن قال لهم قائل : الأصل عدم المجاز . قالوا : والأصل عدم الاشتراك . هذا حاصل شبهتهم .
والجواب : قولكم : الواضع حكيم مسلّم .
قولكم : وإنّما وضع الألفاظ للدلالة على المعاني مسلّم أيضا . وقولكم : ويتبادر الذهن عند سماعها إلى المقصود ، قلنا : لا نسلم ، بل جاز أن يضع المشترك ؛ ليقف السامع ، ويبحث عن المقصود ، فيحصل له ميزة التّثبّت والنظر ، وليجعل
صرف العين — صفحة 162
مساهمون: خليل الصفدي
ص١٦٢