تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح مقامات الحريري — صفحة 380

مساهمون:

ص٣٨٠
ومنها العتّابية ، وهي مدينة يصنع فيها الثّياب العتّابية ، وهي حرير وقطن مختلفات الألوان ، وأسماء سائر المحلّات يطول ذكرها ، وأمّا الشرقيّة فهي محدثة وهي حفيلة الأسوار ، عظيمة الترتيب ، تشمل من الخلق على بشر كثير لا يحصيهم ، إلا الذي أحصى كلّ شيء عددا . وبالشرقيّ محلة الرّصافة ، وبها كان باب الطّاق المشهور على الشطّ ، وبإزائها محلّة كبيرة تعرف بقبر أبي حنيفة رحمه اللّه ، فيها قبّة سامية في الهواء بيضاء ، فيها قبر الإمام أبي حنيفة ، وبالقرب منها قبر الإمام أحمد بن حنبل رحمه اللّه . وحمّامات بغداد لا تحصى ، أخبرني بعض أشياخها ، أن فيها اليوم ألفي حمّام ، وأكثرها مطليّة بالقار ، مسطّحة به ، فيخيّل للناظر فيها أنها رخام أسود صقيل ، وأكثر حمامات هذه الجهة على هذه الصفة ، لكثرة القار عندهم ، وشأنه عجيب ، لأنّه منبع عين بين البصرة والكوفة ، يصير القار في جوانبها كالصّلصال ، فيجرف ويجلب ، وقد انعقد فسبحان خالقه ! وببغداد من المدارس نحو الثلاثين ، ما منها مدرسة إلّا كالقصر العظيم ، وأعظمها النظاميّة . وبساتين بغداد وحدائقها بالغربيّة ، ومنها تجلب الفواكه للشرقيّة ، والعادة أبدا أن يكون بين الشرقيّة والغربية جسران لجواز النّاس ، ومع ذلك فمن يعبر بينهما من النّاس في الزوارق لا يحصى ، وذلك لكثرة النّاس ، وزوارقها لا تحصى ، والنّاس ليلا ونهارا من معاينة العبور فيها في نزهة متصلة رجالا ونساء . وبالجملة فشأن هذه البلدة أعظم من أن يوصف ، وأين هي اليوم مما كانت عليه ! هي اليوم داخلة تحت قول حبيب : [ الكامل ]
* لا أنت أنت ولا الدّيار ديار * « 1 »
ثم ذكر ابن جبير أهلها فذمّهم بكلّ عيب ؛ من الكبرياء وبيع الربا ، ثم استثنى فقهاءها ووعاظها . * * *

[ مما قيل في الشعر والشعراء ]

قوله : « مع مشيخه من الشعراء » ، قال الخليل في مدح الشّعراء : هم أمراء الكلام يصرّفونه أنّى شاءوا وجائز لهم ما لا يجوز لغيرهم من إطلاق المعنى ، وتقييده ومدّ مقصوره وقصر ممدوده ، والجمع بين لغاته والتفريق بين صفاته . وسئل غيرهم عنهم ، فقال : ما ظنّك بقوم الاقتصاد محمود إلا منهم ، والكذب مذموم إلا بينهم !
هامش
( 1 ) عجزه :خفّ الهوى وتولّت الأوطاروالبيت في ديوان أبي تمام ص 144 .