تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح مقامات الحريري — صفحة 379

مساهمون:

ص٣٧٩
عطيّة الصم . وبناها المنصور ، وبعث رجالا يطلبون له موضعا يبني فيه مدينة ، فطلبوا فلم يجدوا ، حتى جاء ينزل فنزل على البرّ الذي في الصّراة ، فقال : هذا موضع أرضاه ، تأتيه الميرة من الفرات ودجلة والصّراة ، فوجّه حينئذ الصنّاع من الشأم والموصل والكوفة وواسط والبصرة ، فابتدئت سنة خمس وأربعين ومائة . وقال محمد بن أبي سهل : لمّا أراد المنصور بناء بغداد ، أمرني أن آخذ الطالع ، فأخذنا طالعها ، فكان المشتري ، فأخبرته بما تدلّ عليه النجوم من طول بنائها وكثرة عمارتها ، ثم قلت : وخلّة أخرى يا أمير المؤمنين ، نجدها على ما تدلّ عليه النجوم . . . لا يموت فيها خليفة ، فرأيته يتبسّم ، وقال : الحمد للّه ، ذلك فضل اللّه يؤتيه من يشاء . وقيل لرجل : كيف رأيت بغداد ؟ فقال : الأرض كلّها بادية وبغداد حاضرتها . ابن جبير : بغداد هي المدينة العتيقة ، ولم تزل حضرة الخلافة العباسيّة وقد ذهب رسمها ووسمها ، وهي بالإضافة إلى ما كانت عليه قبل إنحاء الحوادث عليها ، والتفات أعين النوائب إليها كالطّلل الدّارس ، والأثر الطّامس ، أو تمثال الخيال الشّاخص ، فلا حسن فيها يستوقف البصر ، ويستدعي من المستوفز الغفلة والنّظر ، إلا دجلتها التي بين الشرقيّة والغربيّة منها كالمرآة المجلوّة بين صفحتين ، أو العقد المنتظم بلبّتين ، فهي تردها فلا تظمأ ، وتطلع [ منها ] في مرآة صقيلة فلا تصدأ . والهواء المنتظم يتولّد بين هوائها ومائها ، فهي معروفة بفتن الهوى ، إلا أن يعصم اللّه منها . وكنّا سمعنا أن هواء بغداد ينبت السرور في النّفس ، ويبعث دائما على الانبساط والأنس ، فلا تكاد تجد فيها إلا جذلان طربا ، وإن كان نازح الدار مغتربا ، حتى حللت بقرية وزيران ، وهي على مرحلة منها ، فلما نفحتنا نوافح هوائها ، ونقعنا الغلة ببرد مائها ، أحسسنا من أنفسنا على حال وحشة الانفراد دواعي من الإطراب ، واستشعرنا بواعث فرح كأنه فرحه الغيّاب بالإياب ، وهفت بنا محركات من الأنس ذكّرتنا معاهد الأحباب في عصر الشباب ، هذا للغريب النازح الوطن ، فكيف الوافد فيها على أهل وسكن ! [ الطويل ]
سقى اللّه باب الطّاق صوب غمامة * وردّ إلى الأوطان كلّ غريب
وبغداد جانبان : شرقيّ وغربيّ ودجلة بينهما . فأما الجانب الغربيّ فقد عمّه الخراب ، واستولى عليه ، وهو كان المعمور أولا ، ولكنّه مع خرابه يحتوي على سبع عشرة محلّه ، كلّ واحدة منها مدينة مستقلّة ، لها الحمّامان والثلاثة ، وصلاة الجمعة في ثمان منها ، وأكبرها القريّة ، وهي على شطّ دجلة ومقربة من الجسر ، ثم الكرخ ، وهي مدينة مشهورة ، ثم محلّة باب البصرة ، وهي مدينة بها جامع المنصور ، وهو كبير عتيق البنيان ، ثم الشارع وهي مدينة ، وهذه الأربع أكبر المحلّات ، والوسيطة بين دجلة وبين نهر يتفرّع من الفرات ، وينصبّ في دجلة ، يجيء فيها جميع المدائن التي يسبقها الفرات . وعلى بابها نهر آخر منه ينصبّ في دجلة .