خلافا لسيّئ الخلق الذي يقطّب وجهه عند اللقاء ، واللئيم الذي إذا سئل انزوى وتقبّض .
يغضي : يسمح . آلاؤك : نعمك . أعداؤك تثني : يقول لكثرة المادحين لك والناشرين لفضلك ، لم يمكن أعداؤك وحسّادك ذمّك لتكذيب الناس إياهم ، فصاروا يثنون عليك مع من يثني ؛ ويحكى أنّ أعرابيّا استضاف حاتما ، فلم ينزله ، فبات جائعا مقرورا ، فلما كان في السّحر ركب راحلته ، وانصرف ، فتقدّمه حاتم ، فلما خرج من بين البيوت لقيه متنكّرا ، فقال له : من كان أبا مثواك البارحة ؟ قال : حاتم ، قال : فكيف كان مبيتك عنده ؟ قال : خير مبيت ، نحر لي ناقة فأطعمني لحما عبيطا ، وأسقاني الخمر ، وعلف راحلتي ، وسرت من عنده بخير حال . فقال له : أنا حاتم ، واللّه لا تبرح حتى ترى ما وصفت ، فردّه وقال له : ما حملك على الكذب ؟ فقال له الأعرابيّ : إنّ الناس كلّهم يثنون عليك بالجود ، ولو ذكرت شرّا كنت أكذب ، فرجعت مضطرّا إلى قولهم ، إبقاء على نفسي لا عليك . وقد تقدّم قول البحتريّ في هذا المعنى : [ الطويل ]
أأشكو نداه بعد ما وسع الورى * ومن ذا يذمّ الغيث إلا مذمّم « 1 » !
وقال حبيب : [ الطويل ]
فإن أنا لم يحمدك عنّي صاغرا * عدوّك فاعلم أنني غير حامد « 2 »
بسبّاقة تنساق من غير سائق * وتنقاد في الآفاق من غير قائد
أفادت صديقا من عدوّ وصيرت * أقارب دنيا من رجال أباعد
ومحلفة لمّا ترد أذن سامع * فتصدر إلّا عن يمين وشاهد
وهذه القصيدة من كلامه يمدح بها محمد بن الهيثم ، يقول : يسمع عدوّك إطنابي في مدحك فيمدحك صاغرا ، فكيف وليّك ! فأمدك بقصيدة تقطع الأرض ، ليست بإبل تساق ، ولا بخيل تقاد ، فتردّ العدوّ صديقا ، والبعيد قريبا ، ولا يسمعها أحد إلا ويحلف أنه لم يسمع مثلها ، فيشهد له بالصدق .
قوله : « وسوددك يبني » ، أي يرفع لك مجدا وشرفا . حسامك يفنى ، أي سيفك يقطع ويفني أعداءك . مواصلك يجتنى ، أي من زارك وواصلك اجتنى نعمتك ومواهبك .
يقتنى ، أي يكتسب . سماؤك تغيث ، أي تأتي بالغيث وهو المطر فيستغيث الناس به من الجدب . سماحك يغيث ، أي جودك وحسن خلقك يفرّج كرب المهموم ، وتقول : غوّث الرجل ، أي قال : وا غوثاه ، وأغثته أغيثه ، إذا فرّجت عنه ما يشتكي منه . درّك يفيض :
عطاؤك يشمل ، أي لبنك يملأ الإناء ويفيض عليه ، يريد أن عطاءه يكثر لسائله . وردّك
هامش
( 1 ) البيت في ديوان البحتري ص 1980 .
( 2 ) الأبيات في ديوان أبي تمام ص 119 ، 120 .