تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح مقامات الحريري — صفحة 175

مساهمون:

ص١٧٥
وقال البحتري في ابن الزيات : [ الخفيف ]
قد تصرّفت في الكتابة حتّى * عطّل الناس ذكر عبد الحميد « 1 » في نظام من البلاغة ما ش * ك أمرؤ أنّه نظام فريد وبديع كأنه الزّهر الضا * حك في رونق الرّبيع الجديد ما أعيرت منه بطون القراطي * س وما حملت ظهور البريد حزن مستعمل الكلام اختيارا * وتجنّبن ظلمة التّعقيد كالعذارى غدون في الحلل الصّف * ر إذا رحن في الخطوب السّود
قال المأمون لمحمد بن داود : إن شاركناك في اللّفظ فقد تاركناك في الخطّ ، فقال : يا أمير المؤمنين ، إنّ من أعظم آيات النبيّ صلى اللّه عليه وسلم أنه أدّى عن اللّه تعالى رسالته ، وحفظ وحيه ، وهو أميّ لا يعرف من فنون الخطّ فنّا ، ولا يقرأ من حروفها حرفا ، وبقي عمود ذلك في أهله ، فهم يشرفون بالشّرف الكريم في نقص الخطّ ، كما يشرف غيرهم بزيادته ، وإنّ أمير المؤمنين أخصّ الناس برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، والوارث لموضعه ، والمتقلّد لنهيه ولأمره ، فتعلّقت به المشابهة الجليلة ، وتناهت إليه الفضيلة . فقال المأمون : يا محمد ، لقد تركتني لا آسي على الكتابة ولو كنت أميّا . قد ذكرنا من آلات الكتابة نثرا ونظما ما فيه كفاية وفي السادسة والعشرين من النظم في أوصاف الكتّاب ما يستحسن وينتظم بما أوردنا هنا . وإنما أخرج الحريريّ رسالته الخيفاء من هذه الأوصاف المنظومة في الرسائل التي قدّمناها آنفا لما ذكره من أنّ جميع الكتّاب قطب لإنشائها وتاب ، لما فيها من لزوم نقط لفظة وترك أخرى ؛ وهي على ما بها من التكلّف ، رائقة المعاني ، أنيقة المباني ، ولو غيره تعاطاها لأظلمت معانيها ، وتداعت مبانيها ، فلله هو ! لقد كان منقادا له صعب الكلام بأيسر مرام ! وما هو في محاولة البلاغة إلا كما قال حبيب في سليمان بن وهب : [ الخفيف ]
سرح نطقه إذا ما استمرّت * عقدة العيّ في لسان الخطيب « 2 » ومصيب شواكل الأمر فيه * مشكلات ملكن لبّ اللبيب لا معنى بكلّ شيء ولا ك * لّ عجيب في عينه بعجيب
* * * الكرم - ثبّت اللّه جيش سعودك - يزين ، واللّؤم - غضّ الدّهر جفن حسودك يشين ، والأروع يثيب ، والمعور يخيب ، والحلاحل يضيف ، والماحل يخيف ،
هامش
( 1 ) الأبيات في ديوان البحتري ص 636 . ( 2 ) الأبيات في ديوان أبي تمام ص 37 .