وليس في كل ما يدور عليه الفلك جوهر أقبل لكل صبغ ، وأجدر ألّا يفارقه حتى كأن ذلك الصّبغ جوهريّة فيه / منه ، ومتى سقط عليه ضياء أنفذه إلى الجانب الآخر من الهواء ، وأعاره لونه ، فإن كان الجام ذا ألوان أراك البيت أحسن من وشي صنعاء ، ومن ديباج تستر ، ولم يتّخذ الناس آنية لشرب الشراب أجمع لما يريدون من الشراب منه ، قال اللّه عز وجل :
قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ ، فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها ، قالَ : إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوارِيرَ
« 11 »
،
وقال :
وَأَكْوابٍ كانَتْ قَوارِيرَا ، قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ
« 12 » ، فاشتقّ للفضة من اسمها . وقال النبي عليه السلام للحادي وقد عنّف في سياق ظعنه : « يا أنيس ، أرفق بالقوارير » « 13 » ، فاشتقّ للنساء اسما من اسمها ، ويقولون : ما فلان إلّا قارورة ، على أنه أقطع من سيف ، وأحدّ من الموسى ، وإذا وقع شعاع المصباح والقنديل على جوهر الزجاج صار المصباح والزجاج مصباحا واحدا ، وردّ [ الضياء ] « 14 » كلّ واحد منهما على صاحبه ، واعتبروا ذلك بالشّعاع الذي يسقط على وجه المرآة ، وعلى وجه الماء ، وعلى الزجاج ، ثم انظروا كيف يتضاعف نوره ، وإن كان سقوطه على عين إنسان أعشاه ، وربّما أعماه ، وقال اللّه عز وجل :
اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ، مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ ، الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ ، الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ
الآية « 15 » ، فالزيت في الزجاجة نور على نور ، وضوء مضاعف . فلم يبق أحد في ذلك المجلس إلا تحيّر فيه ، وشقّ عليه ما نال من نفسه بهذه المعارضة ، وأيقنوا أنه ليس دون اللسان حاجز ، وأنه مخراق يذهب في كل / فنّ ، يخيل مرة ويكذب مرة ، ويهجر مرة ويهدي مرة ، فإذا صحّ تحصيل العقل صحّ تقويم اللسان .
هامش
( 11 ) سورة النمل 44 .
( 12 ) سورة الإنسان 15 ، 16 .
( 13 ) الحديث في النهاية في غريب الحديث 4 : 39 ( قرر ) .
( 14 ) الاستدراك من المصادر .
( 15 ) سورة النور 35 .