فاستوعب سليمان الشعر ، وظن أنه في جاريته ، فبعث إلى سمير فأحضره ، ودعا بحجّام ليخصيه ، فدخل عليه عمر بن عبد العزيز ، فكلمه في أمره ، فقال له : اسكت ، فإن الفرس يصهل فتستودق له الحجر ، وإن الفحل يهدر فتضبع له الناقة ، وإن التّيس ينبّ فتستحرم له العنز ، وإن الرجل يغنّي فتشبق له المرأة « 52 » ، ثم خصاه ، ودعا بكاتبه وأمره أن يكتب من ساعته إلى عامله ابن حزم : أن أحص لي من مخنّثي المدينة المغنّين منهم ، فتشظّى قلم الكاتب ، ونجمت منه نقطة « 53 » إلى ذروة الحاء فصيّرتها خاء ، فلما ورد الكتاب المدينة ناوله ابن حزم كاتبه ، فقرأ عليه بالخاء : أخص من المخنّثين المغنّين منهم ، فقال له الأمير : لعله « أحص » بالحاء ، فقال له الكاتب : إن على الخاء نقطة / مثل سهيل ، فتقدّم الأمير في إحضارهم ، ثم خصاهم ، وهم : طويس ودلال ونسيم السّحر ، ونومة الضّحى ، وبرد الفؤاد ، وظلّ الشّجر « 54 » ، فقال كلّ واحد منهم عند خصائه كلمة سارت عنه ، فأما طويس فقال : ما هذا إلا ختان أعيد علينا ، وقال دلال : بل هذا هو الختان الأكبر ، وقال نسيم السّحر : بالخصاء صرت مخنّثا حقّا ، وقال نومة الضحى : بل صرنا نساء حقّا ، وقال برد الفؤاد : استرحنا من حمل ميزاب البول معنا ، وقال ظلّ الشّجر : وما نصنع بسلاح لا يستعمل « 55 » .
هامش
( 52 ) الحجر : الفرس الأنثى . وتستودق : تريد الفحل .
( 53 ) في الأصل : ( ونجمت ) تصحيف .
( 54 ) في الأصل : ( طل السحر ) وترد لاحقا بالرسم الذي أثبتناه .
( 55 ) قال في هامش الأصل : « قال الجاحظ : وكان بالمدينة مخنث يقال له ربيع العذاري وكان اسمه جامعا ، فغلب هذا الاسم عليه لأنه كان جميلا فكها حسن الحديث مكايدا ، وكان إذا دخل على جواري المدينة ، وهو صغير ، قال الجواري : قد جاء ربيعنا فتركن مهنتهن وقعدن معه .
فكان يلهيهن بحديثه ( . . . ) وكان قد علق من أغاني ابن سريج أصواتا ، ووشى إليه يزيد بن معاوية سرا من أبيه معاوية من أتاه به ، فأقام عنده وألهاه وغناه وصرفه إلى المدينة » .
وقال في هامش الأصل أيضا : « أما الذي صح خصاؤهم من هؤلاء فالدّلال ونومة الضحى .
وأما طويس فذكره معهم توهّم وغلط . وكيف يكون مع هؤلاء ومولده يوم وفاة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وذلك في ربيع الأول سنة إحدى عشرة من الهجرة ، وولى سليمان بن عبد الملك في جمادي