يدّعيه بعض العرب من كيس الرّخمة ، وليس في الطير طائر أموق منها .
[ فقال ] : لأن في أخلاقها ، عشر خصال من الكيس ، وهي أنها تحضن بيضها ، وتحمي فرخها ، وتألف ولدها ، ولا تمكّن من نفسها غير زوجها ، وتقطع في أول القواطع ، وترجع في أول الرّواجع ، ولا تطير في التّحسير ، ولا تغترّ بالشّكير ، ولا تربّ بالوكور ، ولا تسقط على الجفير .
فقوله : « تقطع في أول القواطع ، وترجع في أول الرواجع » فإن الصيادين إنما يطلبون الطّير بعد أن يوقنوا أن القواطع قد قطعت ، والرّخمة تقطع في أوائلها لتنجو ، يقال : قطعت الطير قطاعا ، إذا تحوّلت من الجروم إلى الصّرود ، أو من الصّرود إلى الجروم . وقوله : « ولا تطير في التّحسير » يريد أنها تدع الطيران أيام التّحسير كلّها . و « لا تغترّ بالشّكير » أي بصغار ريشها ، أي لا تتحامل كما يفعل بعض الطير ، بل [ تنتظر حتى ] يصير قصبا « 71 » / ، ثم تطير ، وقوله : « ولا تربّ بالوكور » « 72 » أي لا تقيم ، من قولهم : أربّ بالمكان ، إذا أقام به ، أي لا ترضى بما يرضى به الطير من وكورها ، بل تبيض في أعالي الجبال ، حيث لا يبلغه إنسان ولا سبع ولا طائر ، ولذلك يقال في المثل : « من دون ما قلت ، أو من دون ما سمت بيض الأنوق » « 73 » للشيء لا يوصل إليه .
وقوله : « ولا تسقط على الجفير » يعني الجعبة ، لعلمها أن فيها سهاما ، وقد جمع الشاعر هذه المعاني في بيت يصفها فيه ، فقال « 74 » :
وذات اسمين والألوان شتّى * تحمّق وهي كيّسة الحويل
« [ 124 ] »
وأما قولهم : أحمق من عقعق ؛
فلأنه مثل النعامة التي تضيّع بيضها وفراخها .
هامش
( [ 124 ] ) الجمهرة 1 : 395 ، المستقصى 1 : 83 ، المجمع 1 : 226 ، الحيوان 3 : 18 ، -
( 71 ) الصرود من البلاد : الباردة ، والجروم : الحارة ، والتحسير : تبديل الريش .
( 72 ) في الأصل : ( ببكور ) .
( 73 ) المثل في المجمع 1 : 264 ، ثمار القلوب 494 .
( 74 ) البيت في اللسان ( أنق ) ، والمعاني الكبير 290 ، والحيوان 7 : 18 .