وقال قوم إن معنى بيت أبى صخر : وانّى لتعرونى لذكراك فترة بعد حركة ورعدة كفترة العصفور أثر انتفاضه وحركته فأوقع تشبيه الفترة في اللفظ على الانتفاض من البلل اختصارا وثقة بفهم المخاطب ، ونظيره في الاختصار لعلم المخاطب قوله عزّ من قائل
« وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ »
فأوقع تشبيه الكفّار على الناعق بالغنم وإنما شبّههم في الحقيقة بالمنعوق به الذي لا يعقل ولا يعرف معنى النعيق وجعل المؤمنين في دعائهم الكفّار إلى الإيمان وهو لا يسمعون ولا يعقلون كالناعق بالغنم ، والمعنى مثلكم أيّها المؤمنون ومثل الكفّار كمثل الناعق والمنعوق به هذا مذهب البصريين في الآية . وخصّ العصفور في البيت لضعفه وصغر جرمه وقصر ريشه فهو إذا أصابه القطر وانتفض انتفش ريشه فدخل الماء خلاله لرقّته فالماء لا يزال يتوصّل وهو لا يزال ينتفض . وهذا من المعاني التي سبق إليها أبو صخر ، ويستحسن في هذا المعنى قول محمد « 1 » بن هانئ :
ولى سكن تأتى الحوادث دونه * فيبعد عن عيني ويقرب من فكرى
إذا ذكرته النفس جاشت لذكره * كما عثر الساقي بجام من الخمر
وقوله :
على رمث في البحر ليس لنا « 2 » وفر
الرمث : أعواد يضمّ بعضهن إلى بعض كالطوف يركب عليها البحر . والطوف : قرب تنفخ ويشدّ بعضها إلى بعض يحمل عليها . وقوله :
عجبت لسعى الدهر بيني وبينها
ع قال أصحاب المعاني يريد أنّ الدهر قصر بقربها ووصلها فكأنه كان ساعيا جاريا وكأن اختلاف الملوين بينهما سدّ فلمّا فقد ذلك سكن أي طال . والسعي « 3 » إنما يكون مصدر سعى بالقدم فأما إذا سعى بالبغى فمصدره السعاية ومن هذا البيت أخذ
هامش
( 1 ) د 1326 ه ص 73 ورقم 18 ص 297 من الشرح المطبوع سنة 1352 ه .
( 2 ) من الأمالي وأشعار هذيل والمغربية والأصل المكىّ له مصحفا .
( 3 ) فعل مصدر قياسىّ لكل فعل فالصواب أن السعي هنا السعاية لا الجرى وأنا أعجب من هذا التمحّل كيف خفى على صاحبه ( بيني وبينها ) فإنه لا يقال سعيت بيني وبينه بمعنى جريت . إنما يقال : سعيت إليه .