لهم لا ينتفعون بذلك ، ومنه ) « 1 » قولهم : « هذا أمر لا ينادى وليده » ، أي لا وليد فيه فينادى . فإن قيل : فإذا كان لا منار به ، ولا وليد فيه ، ( ولا أرنب هناك ) « 2 » فما وجه إضافة هذه الأشياء ، إلى ما لا ملابسة بينها وبينه ؟ ! قيل : لا ، بل بينهما ملابسة لأجلها صحت الإضافة ، وذلك أنّ العرف أن يكون في الأرض الواسعة منار يهتدى به ، وأرنب تحلها ، فإذا شاهد الإنسان هذا البساط « 3 » من الأرض خاليا من المنار والأرنب ، ضرب بفكره إلى ما فقده منهما ، فصار ذلك القدر من الفكر وصلة بين الشيئين ، وجامعا لمعتاد الأمرين ، وكذلك إذا عظم الأمر ، واشتدّ الخطب ، علم أنّه لا يقوم له ولا يحضر فيه إلا الأجلاد ، وذوو البسالة ، دون الولدان وذوي الضّراعة ، فصار العلم بفقد هذا الضرب من النّاس وصلة فيه بينهما ، وعذرا في تصاقبهما ، وتداني حاليهما » انتهى نص كلامه « 4 » .
ومنها أن يقال كيف يجمع بين قوله تعالى :
قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ
« 5 » ، وبين قوله تعالى :
فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ ( 4 ) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ
« 6 » .
قال : « والتقاؤهما من قبل أن « الفاء » في قوله تعالى :
فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ
إنما دخلت لما في الصفة التي هي قوله 166 و / / :
الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ
من معنى الشرط أي إن فررتم منه لاقاكم ، فهربهم منه سبب للقيه إياهم ( على وجه المبالغة ) « 7 » كما قال زهير :
« ومن هاب أسباب المنايا ينلنه * ولو رام أسباب السّماء بسلّم » « 8 »
فمعنى « الشرط » إنما هو مفاد من الصفة لا الموصوف ، وكذلك قوله
هامش
( 1 ) و ( 2 ) زيادة من الخصائص : 3 / 321 .
( 3 ) البساط : بفتح الباء وكسرها . الأرض الواسعة ، وكذا البسيط .
( 4 ) الخصائص : 3 / 321 - 322 .
( 5 ) سورة الجمعة ، الآية : 8 .
( 6 ) سورة الماعون ، الآيتان : 4 و 5 .
( 7 ) زيادة من الخصائص : 3 / 324 .
( 8 ) شعر زهير : 23 .