المصدرة بها مجرورة المحل على الصفة للكتاب ، وهو إذ ذاك خبر عن الملائكة .
وعلى هذا أخذه مالك - رضي اللّه عنه - في « الموطأ » لأنه فسرها بهذه الآية :
فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ ( 13 ) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ ( 14 ) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ ( 15 ) كِرامٍ بَرَرَةٍ
« 1 » .
قلت : وذكر مع ذلك أنه أحسن ما سمع في تفسير الآية .
قال : وكون هذه الصفة لمجرد المدح أوله ، أو لرفع الاشتراك مبني على تعيين الموصوف المحذوف فإن قدرته : « لا يمسّه إلا الملائكة المطهّرون » جاء منه الأول ، وإن قدّرته بالأشخاص ، أو الذوات 160 ظ / / جاء منه الثاني .
قال : ولا ينقدح لي الآن على هذا المأخذ أن يكون « لا يمسه » نهيا ، فيكون غير الملائكة من الآدميين ، وغيرهم ، منهيا عن مس الكتاب المكنون الذي فوق السماء السابعة ، وهو اللوح المحفوظ ، لأن التكليف لا يكون إلا بمكتسب مقدور .
وترك الآدميين والشياطين مس الكتاب المكنون فوق السماء السابعة ليس من اكتسابهم فيترتب على الانتهاء أو الإقدام ثواب أو عقاب ، وإن كان ضمير « القرآن » جاز أن يكون خبرا على معنى الإلزام أي : « لا يمسّه شرعا إلّا المطهّرون » فإن مسه غير طاهر ، لم يكن ذلك مسا شرعيا ، وإنما هو ارتكاب لما تضمنه الخبر الشرعي أنه لا يكون ، فلن يكون أبدا ، ويجوز أن يكون نهيا ، ويكون الفعل إذ ذاك على لغة الفصحاء من بني تميم لأنهم [ يتركون ] « 2 » الاتباع لما قبل ، ويعدلون إلى ما يستحقه ضمير المذكر الغائب ، ولو كان على اللغة الحجازية لكان « لا يمسه » على الأصل ، فيكون أثرا لأمن الجزم ظاهرا .
ولما جاز ذلك على اللغة التميمية ، وجب إدغام السين في السين بعد نقل حركتها إلى الساكن قبلها ، فلما التقى ساكنان وجب أن يحرك منهما الثاني ليتأتى إدغام الأول فيه ، فحرك بالضم اعتبارا بواو الضمير .
هامش
( 1 ) سورة عبس ، الآيات : 13 - 16 .
( 2 ) في « ج » و « د » : يرتكبون .