الماسح والممسوح كاليد ، أو المحصل للمقصود من المسح ، وهو المنديل ، وهذا ظاهر لا خفاء به .
قال : فإذا ثبت هذا فلو قال : « وامسحوا رءوسكم » لأجزأ المسح باليد إمرارا من غير شيء على الرأس لا ماء ولا سواه ، فجاءت بالباء لتفيد ممسوحا به وهو الماء فكأنه قال : « وامسحوا برءوسكم الماء » من باب المقلوب ، والعرب تستعمله ، أنشد سيبويه « 1 » :
كنواح ريش حمامة نجديّة * ومسحت باللّثتين عصف الإثمد
واللّثة : هي الممسوحة « بعصف الإثمد » فقلب ، ولكن الأمر [ بين ] « 2 » والفصاحة قائمة .
وإلى هذا النحو أشار أبو حنيفة في شرطه الرفع بالثلاث الأصابع أو الأربع ، فإنه قال : « لا بد أن يكون هنالك ممسوحا به لأجل « الباء » فكأنه قال :
« وامسحوا بأكفّكم رءوسكم » ، والكف : خمس أصابع ، ومعظمها ثلاث وأربع ، والمعظم قائم مقام الكل على مذهبه في أصول الشريعة ، ففطن أن إدخال « الباء » لمعنى ، وغفل عن أن لفظ المسح يقتضي اليد لغة وحقيقة ، فجعل فائدة الباء :
التعلق باليد ، وهذه عثرة لفهمه لا [ يقالها ] « 3 » ، ووفق اللّه هذا الإمام الذي أفادني هذه الفائدة فيها ، واللّه ينفعني وإياكم بها برحمته » انتهى على بعض تلخيص .
ولا يخفى ما في أول هذا الكلام وآخره من التحامل الزائد على ما كان يحتاج إليه في تقرير مختاره ، والموضع محتمل لأكثر من هذا ، والغرض كما
هامش
( 1 ) في الكتاب : 1 / 27 وقد نسب البيت إلى خفاف بن ندبة السلمي . قوله : كنواح ، أراد : كنواحي ريش ، فحذف الياء ، يصف شفتي المرأة ، فشبههما بنواحي ذلك الريش في الرقة واللطف والحوّة . ( سواد إلى الخضرة ، أو حمرة إلى سواد ) . وعصف الإثمد : ما سحق منه . ومراده مسحت اللثتين بعصف الإثمد . . . وانظر : المغني : 112 حيث قال : « يقول إن لثاثك تضرب إلى سمرة فكأنك مسحتها بمسحوق الإثمد » ، فقلب معمولي مسح .
( 2 ) ساقط من الأصول .
( 3 ) في « أ » : لالغاء لها ، وفي « ج » و « د » : غير واضحة .