أم مكتوم « 1 » عند النبي صلى اللّه عليه وسلم فقال : يا رسول اللّه ! قد أنزل اللّه تعالى في فضل الجهاد ما أنزل ، وأنا رجل ضرير ، فهل لي من رخصة ؟ فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم :
« ما أدري » ؟ قال زيد : وقلمي رطب لم يجف ، حتى غشي النبي صلى اللّه عليه وسلم الوحي ، ( ووقع فخذه على فخذي ، فكادت تندق من ثقل الوحي ) « 2 » ، ثم أفاق ، فقال :
اكتب يا زيد ،
غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ
« 3 » . فيا أمير المؤمنين ! هذا حرف واحد بعث فيه جبريل والملائكة من مسيرة خمسين ألف عام حتى أنزل على نبيه . أفلا ينبغي أن أعزه ، وأجله ؟ ! .
قال : فقال هارون : قم بنا إلى منزلك ، فأتى منزل مالك ، فدخل مالك ، فاغتسل ولبس ثيابا جددا ، وتطيب ، ووضع مجامير فيها عود ، وجلس . فقال :
هات ، فقال هارون : تقرأ علي . قال : ما قرأت على أحد منذ زمان . قال :
فأخرج الناس عني حتى أقرأه عليك .
فقال مالك : إن العلم إذا منع من العامة لأجل الخاصة لم ينتفع به الخاصة . قال : فمر بعض أصحابك يقرأه . فأمر المغيرة ، فقرأه له على مالك ، وفي رواية أن الذي قرأه : معن « 4 » قال : فكان هارون قد استند إلى جنب مالك ، فلما بدأ يقرأ ، قال له يا أمير المؤمنين : « من تواضع للّه رفعه » .
وفي رواية أبي مصعب من إجلال اللّه ، إجلال ذي الشيبة المسلم ، فقام فقعد بين يديه فحدثه ، فلما فرغ عاد إلى مكانه ، قال مالك : لما كان بعد مدة قال
هامش
( 1 ) هو عمرو بن قيس بن زائد بن الأصم ، ت : 23 ه - 643 م مؤذن الرسول في المدينة مع بلال ، وكان النبي صلى اللّه عليه وسلم يستخلفه على المدينة . يصلي بالناس في عامة غزواته ، حضر حرب القادسية ومعه راية سوداء ، وعليه درع سابغة فقاتل وهو أعمى ، توفي بالمدينة ، انظر الاستيعاب :
ت 1946 . والصفوة : 1 / 582 - 584 .
( 2 ) ما بين قوسين زيادة من المدارك : 2 / 22 .
( 3 ) سورة النساء ، الآية : 95 ، والآية :لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ.
( 4 ) معن بن عيسى القزاز ( كان يبيع القز ) . ت : 198 ه - 813 م . من كبار أصحاب مالك ، وأشد ملازمة له . كان يتكئ عليه عند خروجه إلى المسجد حتى قيل له : عصية مالك ، وهو ثقة .
خرج عنه البخاري ومسلم . انظر الديباج : 2 / 344 - 345 .