بمنزلة من رمى حجرا على عدوه ليصيب مقتله فسلم منه ورجع على حدقته 334 ظ / / اليمنى ، فاقتلعها فزاد غيظه .
ويعود ثانيا إلى رميه به أشد مما فعل أولا ، فيرجع على عينه الأخرى فيقلعها « 1 » ، فيزداد غيظا ، ويعود ثالثا فيعود على رأسه فيشدخه « 2 » ، وعدوه سالم في كل حال ، وأعداؤه حواليه يفرحون له ويضحكون منه ، وسخرية الشيطان أشد ، بل حال الحاسد أقبح لأن الحجر العائد عليه لم يفوت إلا العين ، ولو بقيت لفاتت بالموت ، والحسد يعود عليه بالإثم الذي لا يفوت من موت ، بل ربما يسوقه إلى غضب اللّه ، وأليم عذابه ، ولأن تذهب عينه في الدنيا خير من أن تبقى له عين فيدخل بها النار ، ويقتلعها لهيبها . قال : فانظر كيف انتقم اللّه من الحاسد إذا أراد زوال النعمة عن المحسود فلم يزلها ، ثم أزالها من الحاسد إذ السلامة من الإثم نعمة ، والسلامة من الغم والكمد نعمة ، وقد أزالها عنه تصديقا لقوله تعالى :
وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ
« 3 » . ثم قال : فهذه هي الأدوية العلمية ، فمهما تفكر الإنسان فيها بذهن صاف ، وقلب حاضر ، انطفأت من قلبه نار الحسد » « 4 » انتهى ملخصا .
وأما العمل النافع في مداواته فهو أن يأتي بالفعل المنافي لمقتضى الحسد ، فإن بعثه على القدح في المحسود كلف لسانه المدح له ، وإن حمله على التكبر عليه تواضع له ، وإن اقتضى منه ترك الإنعام عليه ، زاد في الإحسان إليه ، فمهما فعل ذلك عن تكلف ، طاب قلبه ، وأحبه وأزال عنه الحسد .
فائدة :
حصر « الغزالي » جمل أسباب الحسد في أسباب سبعة : « العداوة ،
هامش
( 1 ) في الإحياء : 3 / 198 : فيعميها .
( 2 ) في م . س : 3 / 198 : فيشجه .
( 3 ) سورة فاطر ، الآية : 43 .
( 4 ) انظر الإحياء : 3 / 198 .