والجهل مسودّ بوجه الذي * يرشق نحوي بجلاميده
يبغي مساواتي وما بيننا * ما بين تسويدي وتسويده
قلت : ومن نمط هذه المجازاة ما اتفق « لمحمد بن يحيى الذهلي » « 1 » من خمول الذكر ، وخفاء المعرفة به لما أراد أن يحصل مثل ذلك للإمام « أبي عبد اللّه محمد بن إسماعيل البخاري » - رحمه اللّه - حين طرده ، ونادى ألا يجلس أحد عليه على ما هو معروف في « تاريخ الخطيب » « 2 » ، وغيره .
وقد لخص ذلك الشيخ ناصر الدين ابن المنير 329 ظ / / مع التصريح بهذه المجازاة فقال في آخر التعريف بالإمام « محمد بن إسماعيل » في « كتابه » الذي تكلم فيه على « تراجم الجامع الصحيح » له : « ومن مناقبه الدينية ، ومآثره الدالة على خلوص النية ، أنه امتحن بمناوأة « محمد بن يحيى الذهلي ، وكان محمد هذا من جملة مشايخه ، ومتعينا في عصره تقدما بالسن ، وتخصصا بالفضل ، وانتصابا للفائدة ، واشتهارا زائدا على العبادة ، وأمرا مطاعا ، وحقا مراعى ، واقتضى له مجموع هذه الأحوال أن ظهر على « البخاري » ، وغبر في وجه وجاهته ، وكدّر في اعتقاد الخلق صفو نزاهته ، إلى أن نادى عليه ألا يجلس أحد إليه . فأقام « البخاري » برهة من الزمان وحيدا فريدا ، ثم لم يكفه حتى أجلاه عن الوطن غريبا شريدا ، وانقسم الناس في حقه قسمين ، أحناهما عليه ، وأدناهما إليه هو الذي يبطن فيه الاعتقاد ، ولا يتجاسر على إظهار تعظيمه خشية الانتقاد ، حتى قيل عنه - رضي اللّه عنه - : إنه دعا في سجوده ذات ليلة دعوة ورّخها من كان معه ، وأجابه من قبل دعاءه وسمعه ، وذلك أنه قال : اللهم إنه قد ضاقت علي الأرض بما رحبت ، فاقبضني إليك ، فقبض لشهر من هذه الدعوة ، ثم لم يكن إلا أن اجتمع الخصمان في دار الجزاء ، وقدّما على الحكم العدل المنصف
هامش
( 1 ) النيسابوري أبو عبد اللّه ، ت : 258 ه - 872 م . محدث ، وكان يجله الإمام أحمد بن حنبل ، من تصانيفه : « علل حديث الزهري » ، و « كتاب التوكل » ، انظر الشذرات : 2 / 138 . وهدية العارفين :
2 / 16 .
( 2 ) انظر : 2 / 30 .