ومتى انفرد كل واحد منهم بما أدرك بنفسه ، وسبق إليه قبل غيره ، فإنه مما لم يعثر عليه كثير ، وحينئذ فإذا تصاحبوا على ذلك الوجه ، فلا معنى لاجتماعهم على القراءة لفوات فائدته ، وحرمان بركته ، ولا يمنعه من ذلك أن تظهر تلك الفائدة من عند صاحبه قبل أن تعلم من جهته ، أو يذاكر بها ذلك الصاحب في غير حضرته لأن من أخلاق فضلاء العلماء أنهم كانوا يفيدون بالفوائد الكثيرة ، ولا يحبون أن تعرف أنها من قبلهم .
قال ابن الحاج : « كان السلف - رضوان اللّه عليهم - يأتون بالمسائل العظيمة ، والفوائد النفيسة ، ولا يريدون أن تنسب إليهم خوفا على أنفسهم من الرياء والسمعة . وكانوا من ذلك براء لشدة إخلاصهم ، ومراقبتهم لربهم في أعمالهم .
ثم حكى قول الشافعي - رضي اللّه عنه - : وددت أنّ الناس انتفعوا بهذا العلم ولا ينسب إلي منه شيء . وقوله : ما ناظرت أحدا قبله فأحببت أن يخطئ .
وقوله : ما كلمت أحدا قط إلا أحببت أن يوفق ، ويسدد ، ويعان ، وتكون عليه رعاية من اللّه تعالى .
قال : ونحن اليوم مع قلة الإخلاص ، وقلة اليقين ، والجزع من الخلق ، والطمع فيما في أيديهم من المال والجاه ، نحب أن يسمع ما نلقيه ، ويخبر عنا به ، ويشاع ويذاع ، كل هذا سببه المواطأة لبعضنا من بعض .
قال : فإذا كان العالم حين جلوسه يعمل على التحفظ من هذه الأشياء ، وينتبه في نفسه لها ، وينبه أصحابه عليها انحسمت 328 و / / وقل أن يقع في مجلسه خلل إن شاء اللّه » « 1 » .
قلت : ولا سبيل إلى الخلاص من هذه الأمور المناقضة لما كان عليه
هامش
( 1 ) المدخل : 1 / 119 - 120 .