قال : ولا أعني بهذا الكلام من زعم أن مثل هذا مختص بالشعراء ، أو أنه شاذ غير مقيس ، فإن قائل ذلك مقر أنه لم يحفظ مثله في كلام العرب ، أو لم يكثر كثرة تعتبر في القياس ، أو لم يدرك وجه القياس فيه ، أو أدركه لكن رآه ضعيفا بمثل هذا الكلام معه ، ولا عتب عليه . وإنما المراد من زعم أن هذه القراءة خطأ ، وأن « ابن عامر » رأى مصحف الشاميين فيه ياء مثبتة في « شركائهم » ، فقدر أن الشركاء هم المضلون لهم ، الداعون إلى قتل أولادهم ، فأضاف القتل إليهم كما يضاف المصدر إلى فاعله ، ونصب الأولاد ، ولو أضافه إلى المفعول ، وهم « الأولاد » لزمه رفع الشركاء فخالف المصحف .
ثم أضاف تمام ما وجه به « رسم الشركاء » بالياء ، والمقصود نقل ما يتضح به شهادة أهل الصناعة بتأكيد المراعاة لهذا الأدب مع القراءات المروية ، ومثله موجود في مواضع .
الأدب العشرون : وهو خاتمة ما يذكر في هذا القسم ، أن يعمل بما تعلم ، وينوي أن يعمل كذلك بما يتعلمه بعد ،
وهذا الأدب آكد ما عليه ، وأهم ما يعتني به ، وذلك لوجوه كثيرة يبرزها 323 و / / التأمل والاستقراء لما ورد فيه ، لكن أهمها في الموضع ، وأخصها به بحسب الاختصار وجهان :
أحدهما : ما ثبت في الشريعة أن روح العلم إنما هو العمل ، وإلا فالعلم عارية وغير منتفع به ، وإذا كان كذلك فالاشتغال بطلبه مع تضييع الغاية له سعي فيما لا يجدي ثمرة ، ولا يعود على صاحبه بفائدة معتبرة شرعا . والأدلة على ذلك في الكتاب والسنة ، وكلام العلماء لا ينحصر ، فقد قال تعالى :
إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ
. وقال تعالى :
وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ
« 1 » .
قال قتادة : « يعني لذو عمل بما علمناه . وفي الحديث : « إن من أشدّ الناس عذابا يوم القيامة عالما لم ينفعه اللّه بعلمه » » « 2 » .
هامش
( 1 ) سورة يوسف ، الآية : 68 .
( 2 ) جامع العلم : 1 / 162 .