« من صدق في حديثه متّع بعقله ، ولم يصبه ما يصيب الناس من الهرم والخرف .
قال عياض : وقال له رجل : خرفت ، فقال : إنما يخرف الكذابون » « 1 » .
قال ابن رشد : « مثل هذا لا يكون إلا عن توقيف ، وإن صح فمعناه في الغالب » .
قلت : والتجربة التي يشير إليها كلام « مالك » - رحمه اللّه - من شواهد صحته ، وفضل الصدق لا ينكر عليه مثل ذلك .
تنبيهان :
التنبيه الأول :
الكذب إذا كان في الشعر لا يؤاخذ به المتأدب على الجملة ، لأن الشعر على ذلك مبناه حتى قيل : « أعذبه أكذبه » . ومن هناك لا يترتب عليه حكم الإقرار على الجملة ، ومن أظرف ما يحكى من ذلك ما أورده ابن أبي حجلة عن محمد بن داود الظاهري ، وأنه التقى هو و « أبو العباس ابن سريج » الشافعي في مجلس « أبي الحسن علي بن عيسى » الوزير ، فتناظرا في مسألة من الإيلاء ، فقال له ابن سريج : « أنت بقولك : « من كثرت لحظاته ، دامت حسراته » ، ( أحذق من أن تتكلم في الفقه ) « 2 » . فقال له محمد بن داود : إن قلت ذلك فأنا أقول :
أنزّه في روض المحاسن مقلتي * وأمنع نفسي أن تنال محرما
وأحمل من ثقل الهوى ما لو أنه * يصبّ على الصخر الأصم تهدّما 319 و / /
وينطق طرفي عن مترجم خاطري * فلو لا اختلاسي ردّه ، لتكلما
رأيت الهوى دعوى من الناس كلّهم * فلست أرى حبا صحيحا مسلّما
فقال له ابن سريج : وبم تفتخر علي ؟ ولو شئت لقلت :
ومساهر بالغنج من لحظاته « 3 » * قد بتّ أمنعه لذيذ سناته
هامش
( 1 ) م . س : 1 / 64 .
( 2 ) في زهر الآداب : 2 / 728 : أبصر منك بالكلام في الإيلاء .
( 3 ) في م . س : 2 / 728 :« ومطاعم للشهد من نغماته »